مي زيادة (1886-1941) أديبة وكاتبة شامية cv

مي زيادة (1886-1941) أديبة وكاتبة شامية، وُلدت في الناصرة عام 1886، اسمها الأصلي كان ماري إلياس زيادة، واختارت لنفسها اسم مي فيما بعد. تتقن مي تسع لغات هي: العربية، والفرنسية والإنجليزية والألمانية والإيطالية والأسبانية واللاتينية واليونانية والسريانية.كانت مدينة النّاصرة موطن والديّ مي، فأمُّها من أصل سوريّ إلّا أنّ موطنها فهو فلسطين، ووالدها إلياس زيادة أصلهُ من لُبنان، كان معلمًا في مدرسة الأرض المقدسة، كانت مهتمةً بدراسة الّلغة العربيّة، وتعلّم الّلغات الأجنبيّة، فتميّزت ميّ منذ صباها ونشرت مقالات أدبية ونقدية واجتماعية، أما عن حياتها العاطفيّة، فقد أحبّت جبران خليل جبران على الرغم من عدم لقاءهما؛ حيث دامت المراسلات بينهما عشرين عاماً منذ عام 1911 وحتى وفاة جُبران في نيويورك عام 1931. سافرت إلى عدة دولٍ على أملِ أن تعيدَ لحياتها بهجتها، ولكن في ذلك الوقت عانت من حالة نفسية صعبة، بعد أن أدخلها أقرباؤها إلى مستشفى الأمراض العقلية في لبنان لتلقيّ العلاج.

بدأت ميّ زيادة أول مراحلها التّعليميّة في مدارس النّاصرة الابتدائيّة ثمّ تابعت دراستها الثانويّة في دير الرّاهبات في مَنطقة عينطورة، ثم استكملت دراستها في كلية الآداب بالقاهرة.

أبدعت مي في مَجال الصّحافة، وكانت تنشر مقالاتها في الصحافة المصرية، وتُمضي في نِهايتها بأسماء مُستعارة، كان من أسمائها المستعارة: “شجية، خالد رأفت، إيزيس كوبيا، عائدة، كنار، السندبادة البحرية الأولى”.

كانَ لِمي زيادة دَور في الدِّفاع عَن حُقوق المَرأة، وبِمُطالبة المُساواة كَما أنّها استَحقّت أن تَكون رائِدة مِن رائِدات النَّهضة النِّسائية العَربيَّة الحَديثة، حَيثُ كانَت مُتطلعَة عَلى تاريخ المرأة في الفَترة التي سَبَقت سَجنها فَأكثرت مِن الكِتابة والمُحاضرات والنّدوات؛ لِلمُطالبة بِحقوق المرأة.

تُوفيت مَيّ في مُستشفى المُعادي في 17 تشرين الأول 1941م في مَدينة القاهرة عن عمر يُناهز 55 عاماً

وُلِدت ميّ زيادة في فلسطين في مدينة النّاصرة تحديداً، وذلك في الحادي عشر من شهر شباط عام 1886م، والدُها هو إلياس زيادة، وهو ماروني، أصلهُ من لُبنان، وكان معلمًا في مدرسة الأرض المقدسة، أمّا أمُّها فهي نُزهة معمر، وهي فلسطينيّة الجنسيّة، والتي تُعدّ من أصحاب الأدب الذين يُعنَون بحفظ الأشعار، وقد حَظيت الأديبة ميّ زيادة باهتمام كبير من والديها كونها الابنة الوحيدة لهما بعد وفاة أخيها، وممّا قالته أمُّها فيها:

مي زيادة أن من ينجبْ ميّاً، لا يُنجبْ غيرها

مي زيادة

انتقل والدُها للعيش في مدينة النّاصرة الفلسطينيّة في النّصف الثّاني من القرن العشرين، وذلك بعد أن كان يسكن في قرية شحتول في لبنان، وكانت مدينة النّاصرة موطن اجتماع والديّ مي، فأمُّها من أصل سوريّ إلّا أنّ موطنها فهو فلسطين، ومن الجدير بالذِّكر أنّ لخلفيّة أمِّها الثّقافيّة والأدبيّة سبباً في إعجاب إلياس زيادة بها.
تلقت ميّ مبادئ القراءة والكتابة في قرية الناصرة، وقد انتقل والد مي ّ “إلياس” هو وأسرته الصغيرة إلى لبنان وعمل بالتدريس في قرية عينطورة، وهكذا فارقت ميّ بلدة الناصرة مرتع طفولتها وصباها، فكتبت مذكراتها لمدينة الناصرة:

مي زيادة إيه يا ناصرة! لن أنساك ما دُمت حيّة، سَأعيش دوماً تلك الهنيهات العَذبة التي قَضيتها في كنف منازلك الصامتة، وسأحَفّظ نفسي الفتية ذِكرى هُتافات قَلبي وخَلجَات أعماقي، لَقد كُنت لي مَدينة الأزاهِر العَذبة، ومَجالَ التّنعم بأطايب الأوقاتِ في وجودي

مي زيادة

بعد دراسة ميّ بدير المدينة التحقت بمدرسة راهبات عينطورة لتدرس في القسم الداخلي بين عامي ّ(1900-1903)م. إلى جانب دراستها كانت مهتمةً بدراسة الّلغة العربيّة، وتعلّم الّلغات الأجنبيّة، فتميّزت ميّ ونشرت مقالات أدبية ونقدية واجتماعية. بالإضافة إلى جوانب أخرى تتعلّق بالفنّ، والغناء والموسيقى، فتعلّمت العزف على آلة البيانو، وممّا قالت فيها:

مي زيادة إنّها تُنيِّلُني أجنحة، وتطير بي إلى عَوالمَ لا يَطرُقها غَيرها

أما عن حياتها العاطفيّة، فقد أحبّت جبران خليل جبران عَلى الرُّغم مِن عَدم لِقاءهما؛ حَيثُ دامَت المُراسلات بَينهما عِشرين عاماً منذ عام 1911 وحتى وفاة جُبران في نيويورك عام 1931، لَم تتزوج ميّ بأحدٍ من بَعد حُبها لجبران، فَعاشت فترة عَصيبة وعانَت من الوحدة بعد وفاة أحبائها ومن كانوا سَندها في الحياة، فَتفرغّت لِلكتابة والقِراءة والتّأليف، وفي عام 1932 سافرت إلى عدة دولٍ، عانَت مِن حالة نَفسيّة صَعبة، بَعدَ أن أدخَلَها أقرباؤُها إلى مُستشفى الأمراض العقلية في العَصفوريّة بلُبنان لتلقيّ العلاج

دأت ميّ زيادة أول مراحلها التّعليميّة في مدارس النّاصرة الابتدائيّة، وعلى وجه التحديد في دير المدينة الذي ذَكرته في كِتاباتِها، ثمّ عادَت لِموطن أبيها في لبنان، وفي كسروان تَحديداً وهي في سِنّ الرّابعة عشر، ثمّ تابعت دراستها الثانويّة في دير الرّاهبات في مَنطقة عينطورة، وتعرّفت هناك عَلى الأدب الفرنسي والرومنسي الذي أخذ يروقها بشكلٍ خاص. كما التحقت بعدة مدارس أخرى في لبنان عام 1904 لتنتقل العائلة بعدها عائدةً إلى الناصرة، ويشاع أنها نشرت أولى مقالاتها في سن السادسة عشر. إلّا أنّ ذلك لم يُنسها المدينة التي وُلدت فيها.

أجادت مي العزف على البيانو، وقرأت أشعار الصوفيين العرب، وأعجبت إعجاباً كبيرًا بابن الفارض، وعلى أيدي الراهبات أجادت اللغة الفرنسية، وحفظت الكثير من أشعار الفرنسيين أمثال دي موسيه، ولامرتين. وفي عام 1904 تخرّجت مي من مدرسة الراهبات عينطورة ورجعت إلى الناصرة عند أهلها. وفي عام 1908 انتقلت مع أسرتها للإقامة في القاهرة. دخلت الجامعة المصرية عام 1916م، ودرست الفلسفة والآداب وأتقنت اللغة الفرنسية والإنجليزية والإيطالية والألمانية ولكن معرفتها بالفرنسية كانت عميقة جداً وكانت بدايات نشرها بتلك اللغة في القاهرة، عملت بتدريس اللغتين الفرنسية والإنجليزية، وتابعت دراستها للألمانية والإسبانية والإيطالية. وفي الوقت ذاته، كما عكفت على إتقان اللغة العربية، فكتبت بهذه اللغات في الصحف حول قضايا الثقافة، وقضية نهضة النِّساء العرب والشرقيات عامة وحول اللغة العربية ونهضة الأمم الشرقية، كما أنّها دخلت مسيرة التّربية والتّعليم فعملت فيها.
تفوقت ميّ زيادة في الدراسة والتحصيل العلمي. وأكسبها إطّلاعُها الواسِع عَلى التّراث العَربي، والأدب الأوروبي فصاحةً وتعبيرًا واضحًا. ومنحها الترحال بين كسروان ويافا وحيفا وبيروت والناصرة والقاهرة ثقةً عاليةً بِنفسها، ومَعرفة عَميقة بِمعاناةِ السكان وحاجاتِهم وأحوالِهم. فَتَح لَها التعليم والصحافة أبوابَ الصداقة والتَّعارف مَع صحفيين ومفكرين وأدباء كَثيرون في لبنان ومصر وبلاد المهجر. أفادت من ثقافة والديها المُتعلمين، ومِن مُلاحظات أساتِذتها وعِلمهم، كما تأثرت بأسلوب عَدد مِن رائِدات النّهضة وروّادها ومن بين هؤلاء: أحمد لطفي السيد الذي سُمي “أستاذ الجيل” وكان أستاذًا للدكتور طه حسين، وتردد أحمد لطفي السيد والدكتور طه حسين إلى صالون ميّ الأسبوعي. تأثرت مي بفارس الخوري وفخري البارودي وخليل مردم وخليل مطران وأحمد حسن الزيات وتوفيق الحكيم وروز اليوسف والدكتور أنيس المقدسي وشكيب أرسلان وأنستاس ماري الكرملي والدكتور يعقوب صرّوف صاحب مجلة (المقتطف) وجبران خليل جبران وعباس محمود العقاد وأسلوب الشيخ مصطفى عبد الرازق وأسلوب مصطفى صادق الرافعي ونثره المتقن

انتَقلت مَي زيادة إلى مصر سَنة 1907، أقامَت في العاصِمة القاهرة، حيثُ عَملت بِتدريس الُّلغتين الفرنسية والإنجليزية، وقامَت بِدراسة الألمانية والإسبانية والإيطالية. وفي الوَقت ذاته، بَذلت الجُهد في إتقان اللُّغة العَربية والتَّعبير بِها وفيما بَعد، تابَعت في جامعة القاهرة دِراسة الأدب العربي والتاريخ الإسلامي والفلسفة. بعد أن تخرّجت من كلية الآداب في القاهرة، وُلدت فكرة مي بإنشاء صالونها الأدبيّ الخاص، وعقدهِ كل ثلاثاء من كل أسبوع وقد امتازت بسعة الأفق ودقة الشعور وجمال اللغة. كما أنها نشرت مقالاتٍ وأبحاثاً في الصُحف والمجلات المصريّة، مثل المقطم، والأهرام، والزهور، والمحروسة، والهلال، والمقتطف. أما الكتب، فقد كان باكورة إنتاجها في عام 1911 ديوان شعر كتبته باللغة الفرنسية وأول أعمالها بالفرنسية كان بعنوان “أزاهير حلم”. وفيما بعد صدر لها “باحثة البادية” عام 1920، و”كلمات وإشارات” عام 1922، و”المساواة” عام 1923، و”ظلمات وأشعة” عام 1923، و”بين الجزر والمد” عام 1924، و”الصحائف” عام 1924

تُعدّ ميّ ممّن أبدعوا في مَجال الصّحافة، فكانت تكتب المقالات ذي الأثر الاجتماعيّ في الصّحافة المصريّة، ومن الصُّحف التي كتبت فيها صحيفة “المحروسة” التي كان لها فيها باب خاص وثابت اسمه “يوميّات فتاة”، كانَت تستعرض في هذا الباب مَقالاتِها وتُمضي في نِهايتها بأسماء مُستعارة، كان من أسمائها المستعارة: “شجية، خالد رأفت، إيزيس كوبيا، عائدة، كنار، السندبادة البحرية الأولى”. وممّا أضافته ميّ إلى عَملها في سنة 1926 أنّها ابتَكرت بابًا جَديدًا في صَحيفة “السّياسة الأسبوعيّة” وتَسمِيتٌه “خَليّة النّحل”، وكانَ هذا الباب قائِماً عَلى أساس الأسئِلة وَالأجوِبة الصّادِرَة مِمّن يُريدُ من قُرّاء الصّحيفة أن يَسأل سُؤالاً أو يُجيبَ عَلى سُؤال مَطروح.زَادت ميّ زيادة مِن إقبال الفِئة الشّبابيّة عَلى القِراءة مِن الجَريدة بإنشائها باب خليّة النّحل التّفاعليّ، وَبِهذا تَكونُ قَد أضافَت عامِلاً مُهماً في الصّحافة، ومَع أنّ هذا الباب يُعدُّ عَملها “الفنيّ” الأول في الصّحافة إلّا أنّه كانَ الأخير؛ لِأنّها فضّلت أن تَكون كاتِبة غَير مُقيَّدة بأحَد وأنْ تَكونَ حُرّة لا تَختَلِط مَع مَن تَكتب لَهُم. حاوَلت صَحيفة “الأهرام” أن تَجتذب مَي لِتَكون عُضوًا في أسرة تَحريرها وأعَدّت لَها مَكتبًا خاصًا في غُرفة رَئيس التّحرير، ولكنّها رَفضت العَرض، وبَقِيت صِلتها قائِمةً عَلى الكِتابة الحُرّة

وُلدت فِكرة مي زيادة بصالونها الأدبي في فَترة تَحوّل جَذريٍ شامِلٍ في جَميع مَناحي الحياة، بَعد الدَّعوة إلى الاستقلال السياسي، وظُهور الرَّغبة المُلحّة في الحريّة الفرديّة والمساواة، والدعوة إلى تحرير المرأة، فكانت بداية انعقاد صالون مي 24 نيسان 1913م، حيثُ وَقفت في خطابٍ لأول مَرة في بهو الجامعة المصرية، لإلقاء كَلمة جبران خليل جبران نيابةً عنه اشتراكاً في تَكريم الشاعر خليل مطران، وفي نهايةِ الكَلمة وَجّهت الدَّعوة لِعقد صالون أدبي في مَنزِلها، فَتلقت يَومها تَشجيعاً كبيراً من الحاضرين، وبعد ذلك ابتدأ يجتمع في بيتها مَجموعة مِن الأشخاص الذين حَضَروا صالونها الأدبي كل يوم ثلاثاء من كل أسبوع، وبقي أعواماً تَحت رِئاسة الشاعر إسماعيل صبري. كانَ الصالون في بادِئ انعِقاده عام 1913 يُعقد بمسكنها في الطّابق العلوي من مَباني جريدة الأهرام في شارع مظلوم باشا، واستقطبت فيه المفكرين والكتّاب والشعراء، ونَوعياتٍ مُختلفة مِن عليّة القَوم والأثرياء والأدباء المعدومين ومنهم إسماعيل صبري، منصور فهمي، ولي الدين يكن، أحمد لطفي السيد، أحمد زكي، رشيد رضا، محيي الدين رضا، مصطفي عبد الرازق، الأمير مصطفي الشهابي، أمين المعلوف، الدكتور يعقوب صروف، الدكتور شبلي شميل، سلامة موسى، إسماعيل مظهر، محمد حسين المرصفي، أحمد شوقي، خليل مطران، إبراهيم المازني، عباس محمود العقاد، أنطون الجميل، مصطفى صادق الرافعي، طه حسين، داوود بركات، زكي مبارك، عبد الرحمن شكري.

وكان صالونها واسعاً رحباً، اختارت أثاثه بنفسها، وعلقت في صدره أبيات من الإمام الشافعي وهي:

مي زيادة إذا شئت أن تحيا سليماً من الأذى وعشك موفور وعرضك صين ُ

لسانك لا تذكر به عورة امرئ فكلك عورات وللناس ألسن ُ

وعينك إن أبدت إليك معايباً فصنها وقل يا عين للناس أعين

وعاشر بمعروف، وسامح من اعتدى وفارق، ولكن بالتي هي أحسن ُ

مي زيادة

كانت تُقدم شراب الورد أو القهوة في صالونها عَلى الطَّريقة الشَّرقية، وكَانَت تَجلس في صَدرِه تُرحّب بِضيوفِها.
وكانَ صالونها الصّالون الأدبي الوَحيد في مصر الذي تُديره امرأة وتستقبل فيه ضيوفاً من الجنسين. تميّز بما فيه من حريّة فكريّة واجتماعيّة وحركة ثقافيّة وفّرها كلٌّ من المضيفة والضيوف، وشكّل منبعاً للإنتاج الأدبي، وهي أحد أسباب نجاح هذا الصالون، فأثرت في أدباء عصرها من الناحيتين الإنسانية والفنية، كان حَديثها يغلب عليه التسامح والود والتَّهذيب الرَّفيع والفكر العميق، فكانَت تحرص على إفساح المَجال لَزائريها لِيُعطي كل منهم رأيه، فَلا يَشعر أحد بالاغتراب في مجلسها.أما المُرتادون فَكانوا يَتحدثون في شَتى المَواضيع الفكرية والأدبية، ويَتكلمونَ بالعربية أو بِغيرها مِن اللغات الأجنبية، أمّا مَي فكانَ حديثها دائماً باللغة العربية الفصحى، وكانَت في صالونها وأحاديثها تُباعد بَينها وبَين التّيارات الحِزبية والتَّعصبية، فَما استطاعَت أن تُدير لَها ظَهرها والمُجتمع يُعاني مِن هُمومه، كانَت سِمة صالونها الأساسية أنه أدبي فكري، ولم يكن اجتماعيًا أوسياسياً، وكانَ الطابع هُو الطّابع الأدبي الّذي لَم يَتغير. كان أبرز أهداف صالونها البَحث عَن إنشاء جَديد يُقرّب بَين طَرفي اللغة الفصحى التقليدية واللُّغة العامية، والتَّقريب بَين الفِكر الشرقي والغربي بواسطة تعريب الروائع الأوروبية، ومُناقشة الكُتب الجَديدة والقَصائِد الحَديثة والحَملات الصّحفية. كما كانَ لِمي وصالونها دَورٌ في المعارك الفكرية في ذاكَ الوَقت، شَهدت مصر في العِشرينيات والثلاثيينات مَعارِكَ فِكرية عَديدة، ولَم تَكن مي في عزلة عَن تلك المَعارك الفكرية، وكان بمقدورها أن تُؤثر في الكَثير مِن الأحداثِ بِتدخلها، لكنّها كانَت لا تَتدخل تَدخلاً مباشراً. لَقد استمر صالون مَي قُرابة خَمسة وعشرين عاماً مُتواصِلة لا يَثنيها عَن ذلك طارِئ مِن مَرض أو سفر، وهِي أطول فَترة عَرفها صالون أدبي في الشرق أو الغرب.أخَذَت مَي عَن والِدها المعلم والصحفي وصاحِب جريدة “المَحروسة” القُدرة عَلى مُحاورة رِجال الفكر والقلم. وإتقانِها اللغات الأجنَبِية والإطلاع الواسِع عَلى مُختلف ألوانِ الثقافة، وتوفّر فيها مُقومات قُوة الحُضور والتأثير، وبَراعَتِها في إدارة حوار جَلَسات الصالون، فكانَ أحد أسباب نَجاح صالونها وشُهرتها بَراعَتها في إدارة الحوار، وكانَت حِواراتها حافِزاً لِلإنتاج الإبداعيّ والفكريّ، فَكانت مِن الأوائِل الّذين دُعوا لِإقامة جُسور مِن الحوار والتَّفاهم والتَّبادل بَين الثقافات الإنسانيّة.ذَكر عباس محمود العقاد أحد رُواد صالونها بَراعتها في إدارة الحوار وتوجيهه فََقال

ما تَتحدث بِه مي مُمتِع كالّذي تَكتبه بَعد رُؤية وتَحضير، فَقد وَهبت مَلكة الحَديث، وهِيَ ملكة التَّوجيه وإدارة الحَديث بَين مَجلس المُختلفين في الرأي والمزاج والثقافة واللغة

كانَ لِمي دَور في الدِّفاع عَن حُقوق المَرأة، وبِمُطالبة المُساواة كَما أنّها استَحقّت أن تَكون رائِدة مِن رائِدات النَّهضة النِّسائية العَربيَّة الحَديثة، حَيثُ كانَت مُتطلعَة عَلى تاريخ المرأة في الفَترة التي سَبَقت سَجنها فَأكثرت مِن الكِتابة والمُحاضرات والنّدوات؛ لِلمُطالبة بِحقوق المرأة. طالَبت بإنصافِ المرأة وبِأن تَتحرر عَلى ألا تَخرُجَ مِن قُيود المَعقول والمَقبول، رَفضت أن تَعيشَ المرأة أشَد أنواعِ الاستِغلال، فَقد أفقَدها ذلك مَكوناتِها الشّخصية، كَما كَتَبت عَن تَعليم المَرأة فقالت:

مي زيادة النّور النّور، نُريد النّور دومًا وفي كُلّ مَكان، نُريدُ أن يَفهم الرَّجل كَرامة المَرأة، وأن تَفهم المَرأة كَرامَة الإنسانية

مي زيادة

برز الدّفاع عَن حُقوق المَرأة في كتابها (المساواة) الصادر عام 1923م، إلى جانِب كُتبها عَن رائِدات التنوير مِن السّيدات، فَكتبت عن عائشة التيمورية ووردة اليازيجي.

وعن مُساواة الرّجل والمرأة قائلةً:

مي زيادة لا أطلب للمرأة المساواة بالرّجل لاعتقادي أنّها تفوقه سموّاً بقلبها. والنّظريّات الّتي ترمي إلى تسويتها بالرّجل تحول حتماً بينها وبين عالمها الخاصّ الّذي به- به وحده- تظلّ محلّقة فوق كلّ أفق يستطيع الرّجل في جدّه وعبقريّته أن يبلغه. فالمساواة هبوط لها، لا صعود. (ميّ زيادة)

مي زيادة

تقول أيضًا أنه لا يُمكن لِلرجل أن يَختَرق عالَم المَرأة حَتى وإن نادى بِتحرير المَرأة وتَثقيفها وتَعليمها فَهو يَنظر لِلموضوع مِن خارِج المَرأة فَقط، لذلك كانَت تُقدّر مُبادرة الرّجل أمثال بطرس البستاني، ورفاعة الطهطاوي وقاسم أمين في المُناداة بِتعليم المَرأة في عَصرِهم، لكن بِرأيِها أنّ مَن يُحرّر المَرأة هِي المَرأة ذاتَها. وقد أكّدت عَلى ذلك في مُحاضرة لَها بِعُنوان “غاية الحياة” ألقَتها في جَمعيّة “فتاة مصر الفتاة”، ومَقال بِعنوان “الفَتاة المَصريّة ومَوقِفها اليَوم” الّذي تَم نَشرُه في صَحيفة “السّياسة” المّصريَة.
تَناولت مَي الحرية بِشكل أكثَر عُمقاً حَيثُ كانَت تَحُثّ المرأة لا عَلى المُطالَبة بِحقوقِها وحَسب، بَل عَلى إدراكِ واجِباتِها والتّمسُّك بِها وتَطوير أساليبِ التّعامل فيها كَي تُتحقّق حُقوقها. فَمن لا يَعرِف واجِباته ويَلتزم بِها لا يَستطيعُ أن يُطالب بِحُقوقه. لذلك فالحُريّة عِندَ المَرأة بِحسب مي تَتكوّن مِن عُنصرين أساسيّين: التّعليم والعَمل. التّعليم الّذي يُسهم في تَثقيفها وارتقائها الفكريّ والعلميّ وتَهذيب طِباعِها وتَنمية مَواهِبها. والعَمل الّذي يُحقّق حُرّيّتها بِمعناه العَميق والمُستقل. تَحدثت كَذلك عَن الحِجاب لِلمرأة ونَظرة المجتمع إليه فَفي إحدى مَقالاتها هاجَمت الحِجاب لا لِكونه لِباس حِشمة ووَقار لكنّها رَأت فيه حِجابًا وهميًا فَرضه الرَّجل عَلى المَرأة لِتبقى مَحجوبَة عَن التّطور والفَعالية حيثُ قالت:

مي زيادة هذا الحِجاب الوَهمي انبذه بَعيداً فهو لا يَحجب وُجوهاً كَلا، ولا مَلامِح. إنّما يَحجِب عُقولاً راجِحة ونَشاطاً فتياً ونفوساً وثابة إلى العُلا، وإن أبيِّتن إلا إسداله فأسدَلنه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.