النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: ثورة الصرامي

  1. #1

    ثورة الصرامي

    ثورة الصرامي
    صورة تراثية ساخرة من ذاكرة الوطن
    خاضها مع أبناء جيله في ذلك الزمان
    الداعي بالخير : صالح صلاح شبانة
    ****************
    حينما كان شرطي الفرسان يمر من زقاق حارتنا فارسا ، خيّالاً ممتطيا صهوة جواده الذي أثمر في جسده التبن والشعير الذي يملأ مخلاته على الدوام ، والقمح مع السكر في أحيان أخرى ، تلك المخلاة المفروضة على الناس ، في حين تعاني أبقارهم ومواشيهم ودوابهم الأخرى من الأيام العجاف ، فترى عظمتي الحوض ناتئتين والحيوان يلهث تحت تلبية رغبات صاحبه بإلحاح.....!!
    كانت عيوننا تتركز على جزمة الفارس السوداء التي تصل إلى دون الركبة بقليل وهي تلمع تحت الشمس بلونها الأسود المتناغم مع بنطلون الفروسية الضيق على الساق ،الواسع جدا عند الفخذين ،وحطته الصفراء يطوقها عقال من المرعز وقد التمع شعار الأمن العام بين عينيه كقطعة فضه .....!!
    وكثيرا ما يكون الرجل الصارم الوجه يحتل شفته العليا شاربان تربط بهما شجره لكبرهما وهولهما ..ويطالع الناس بكل ما في الدنيا من قسوة وصرامة والسوط يطرقع في يده مثل حبات البُشار اللي جذبت فيما بعد فتاة لبنانية اسمها (جورجيت صايغ) ، فتغنت بها بأغنية شهيرة تقول : (طير وفرئع يا بُشار ، وما بصير أكتر ما صار ، حبيبي ألبه فرئع متل حبة البُشار) ، وهكذا تفرقعت قلوب العشاق تفرقع الفشار ، وتساقطت قلوبهم تساقط الذباب وطائرات أحمد سعيد سنة 1967م.............!!!!!!!!
    وكثيرا ما كان الشرطي يرد على تحيات الناس برفعة من رجله التي تشد الركاب ، وفرقعة من سوطه ....!!!
    • وكنا نندهش من تناسق الجزمة ، وكل واحد منا تمنى من أعماقه أن يحصل على جزمة مثلها ، لا لأنها من جلد قوي ونعل فاخر ، قد ارتوى جلدها من معجون الأحذية ، التي تخللت الجلد فصار طريا مطواعا لقدم الشرطي وساقه ..!!!
    فهذه الأمور لم تخطر على بالنا قط..!!!
    وعندما كان الشرطي ينزل في بيت المختار ينتظر مسخن الدجاج ، أو المفتول ، أو زغاليل الحمام المشوية ، متمطيا على فراش الصوف الفاخر والذي كان يعتبر ثروة قومية في القرى وعند الفلاحين على اعتبار أن (فراشنا من صوفنا ، وطواقينا من مغزل الشعر بتصير) و(زرابيلنا) وهي أحذيتنا ، أو بتعبير أخف وأنعم (صرامينا) ، إما من كاو تشوك الإطارات التي لم تعد تصلح للف والدوران على الشوارع لطول استهلاكها ، وإما من جلد البقر السميك ....
    وكان حضرة السيد الشرطي المتوكل بحماية البلاد والعباد (على طريقته ومزاجه ) وكان مزاجه ساديا في معظم الأحيان ، حيث لم يجروء مواطن في ذلك التاريخ الغابر مجرد التفكير بمقاضاة شرطي أو الشكوى عليه ، مهما ظلم ومهما عتى ، وانه فوق المساءلة ، فهو الحاكم بأمر الله ، وعصيانه نتيجة تؤدي الى النظارة ، فالحبس فالكرابيج ، وهي ليست بالتأكيد كرابيج حلب .....!!!!!!
    لذلك قبل حدوث ثورة الصرامي الشهيرة ، كان يخلع الجزمة الميري من قدمه ليأخذ راحته على ما يرام ، وليس احتراما للفراش والمُضيف كما يتخيل البعض ، سيما وقد امتلأت مخلاة الحصان بالشعير الصافي مع حفنة تبن ، حتى لا يصاب بالإسهال ، أو بالقمح المغربل المنقى ، مع شيء من السكر ، وكلنا يعرف شغف الخيل بأكل السكر....!!!
    وكان للجزمة على عتبة المضافة هيبة ورهبة وجمال قد تتوحم عليه أنثى ، فكان للوحام طقوس وأشياء تفسد استرسال الحديث عن الثورة ، وهي من ثور بالمناسبة ....!!!
    وكنا الصغار نستشعر بجمالها وآناقتها ، سيما وهي تشمخ بين الصنادل البلاستيكية الكالحة ، والفرط الكاوتشوك والزرابيل الجلدية المُخاطة بطريقة بدائية ....!!!!
    • كانت الأحذية تجتمع أمام المضافة ، وقلما نجد فرطة او صندلا أو زربولا لم تترك بصمات الإسكافي الذهبية عليه رقعة أو تشريبة ، سدت خزقا ولا(خزق) الأوزون تسبب به أظفر إبهام القدم والذي قد يسطح الحيط ...!!!
    لذلك تقف الجزمة الحكومية بين هذه الأشياء التافهة بكبرياء وشموخ ، ولا قيصر على عرش روما ، وكسرى على عرش المدائن ، معلنة عن نفسها ، مشرأبة العنق ، فخورة بأصلها وفصلها .....وكانت عيوننا المتلصصة تفرح عندما يصرف الشرطي نظره عن الجزمة بالتظاهر بأصغاءه لحديث المختار ، أو استرساله بضحكة يجامل بها القوم ، لأنه كان يشعر أنه أكبر وأهم منهم جميعا ، فهو يضرب بسيف الدولة ، وقديما قيل (هيبة السبع بنابه ، وهيبة ابن الدولة بثيابه) ، والأعمى هو الذي لا يرى من الغربال..!!
    و(شو جاب لجاب !!!) ، الشرطي ابن الدولة للفلاحين البؤساء..؟؟؟
    إلا مثل ما(جاب طز لمرحبا...!!!!) ، ومن المؤكد لا مجال للمقارنة...!!!
    في تلك الأثناء كان السعيد من يلمس جزمة الشرطي ، وكنا (نتشرف بلمسها مناوبة وعلى الدور ، ونتفاخر على ذلك ، حيث عند لمسها ترتعش يد أحدنا ، لنعومتها ، وخوفا أن تصطادنا عين الشرطي بالجرم المشهود ( وما حدا بقدر على زعل الحكومة) ...!!!
    • ذات يوم حضر جناب التحصيل دار ، وهو موظف الضريبة الذي لم يكن عادلا ولا نزيها على الإطلاق ، يتم اختياره من بين حثالة الناس وسفلتهم ، بلا ذمة ولا ضمير ، ما لامست الرحمة قلبه قط ، يُربى تربية كلاب ، الإخلاص لسيده ومن يضع العظمة بين شدقيه ، والتمضمض بدماء عراقيب الآخرين ، وكانت أكوام القمح بالكاد تصبرت بعد التذرية ، وهي أكوام صغيرة متواضعة ، بعد موسم مطري شحيح ، وعلى الفلاح أن يسدد ديونه السنوية ، ويترك قوتا لعياله ، ويدفع الضريبة ، وأي تقصير مأساة ، إذ المرابي يستلب الأرض من إن قصَّر بالدفع ، والحكومة تضربه ضرب (البين والخطيه) ، والجوع ينهش بطون أولاده ، وعليه أن يدبر رأسه ويعرف خلاصه .....!!!
    ولأن مزاج مخمن التحصيل دار أنجس من نعل تعلقت به نجاسة فقد فرض ضريبة ظالمة على فلاح تظهر عليه عضات الفقر ، وتبدو آثار خمشات مخالب البؤس عليه جلية ، فقد فرض ضريبة ظالمة على المسكين ، ما أن سمعها حتى شهق وكل من حوله دهشة لبشاعة الظلم الذي نطق به ذلك الرجل ...!!!
    ولأن الحال من بعضه فقد توسل اليه أن يرحم فقره وضعفه وحاجته وهوانه ، وماذا سيحل به وبأسرته لو حدث ذلك ، ورجاه الناس أن يكون رحيما بالرجل البائس ، ولكنه
    أبى وأخذته العزة بالإثم وازداد صلافة وتحقيرا للرجل وانه سيدفع والحذاء على رأسه وإلا سيرى مصيرا ولا مصير الكلب الأجرب الضال ....!!!
    وحاول معه بكل دروب الحسنى والرجاء ، ولكن أوداجه انتفخت بكبرياء التيه والظلم ، ولأن لكل شيء حد فقد استذكر الرجل كل رزايا النظام الأقطاعي ، وهانت الدنيا عليه ، وصارت حياته أرخص من فرطة الكاوتشوك التي أكلت من قدميه وأحالتهما الى اشبه بقوقعة القرقعة (السلحفاة) ، واستنزف آخر ذرة صبر ورهبة في حياته ، ولم ير نفسه إلا وقد شد التحصيل دار ورماه أرضا وجلس فوق صدره وشد على رقبته بيديه محاولا قتله ليؤدب كل من يعمل في هذه الوظيفة الظالمة الحقيرة ليكون عبرة لمن اعتبر ، وأهل القرية لوأعطى كل منهم حفنة قمح لإبناءه لعاشوا حياة أفضل من حياتهم البائسة في وجوده بينهم ....!!!
    ولكن العقلاء حالوا بينه وبين تلك الفكرة الإجرامية ، وفكوا الرجل من بين يديه ، الذي ما أن انفلت حتى صار يهدد بهيبة الدولة التي أهينت من فلاح كلب ، وأن من يتجرأ على الاعتداء على هيبة ممثل الدولة سيدفع الحساب غاليا ....!!!
    *لم يمض وقت طويل بعد مغادرة التحصيل دار غاضبا ، حتى عاد مع كوكبة من الفرسان قد أربدت وجوههم واسودّت لفرط الغضب ، وقد التثم كل منهم بحطته الصفراء وأشهروا البنادق ، وبلا سلام ولا كلام نعفوا صليبة القمح ثم تناولوا الرجل وطرحوه أرضا ، ونزلت العصي والأحزمة الجلدية العريضة تشرّح لحمه ويفور مع شدة الحر دمه ، وترفش الجزم الأنيقة ببطنه دون أي ذرة من الشفقة والرحمة....!!!!
    وهددوا من يثلم هيبة الدولة بمصير أكثر سوادا وقتامة ، وتركوا الفلاح ينزف دما ويعاني من الآلام المبرحة ، وذهبوا الى مضافة المختار لتناول الطعام الذي كان قِرَىً وضيافة فيما مضى ، وهو خاوة وجزية في ذلك اليوم المشؤوم ...!!!
    كانت الخيول تأكل القمح والسكر والفرسان ينتظرون الدجاج والزغاليل المشوية في الطوابين ، وكانت جزمهم السوداء اللامعة تعتلي الصنادل الكالحة والزرابيل المرقعة...!!
    كنا الصغار الذين لم نشهد مشهد عنف بذلك الشكل السادي الظالم من قبل ، ننظر المرة إلى الجزم بقرف واحتقار ونحن نتخيل رفشها في بطن ذلك الفلاح البائس الذي أراد أن يتمرد ، ويصنع من قطران الظلم شعاع حرية ، ففشل لأن من حوله غير مؤهلين للحرية بعد ..!!
    أحسسنا بكراهية مفرطة وحقد أسود ناحية صرامي الفرسان ، وصارت أحلامنا الجميلة تجاهها كوابيس مرعبة، واتخذنا جميعا قرارا واحدا ، في وقت واحد لم يعلنه أحدنا للآخر ، ولكن اجتمع في عقولنا الصغيرة مرّة واحدة ، وكأنه كان مثل الأرواح هائما في أجواءنا ، وحط علينا مرّة واحدة ، فانقضضنا مثل العقبان الصغيرة على صرامي الحكومة ، واختطف كل منا فردة ، وأطلقنا سيقاننا للريح ......!!!!
    • تزلزل المكان ، فيبدو أن علامات الساعة بدأت تظهر ، ففي الصباح يعتدي فلاح وبش على موظف دولة يقوم بمهام عمله !! ، وفي المساء يقوم (قواريط) عابثون باختطاف صرامي الحكومة...!!
    وما رأينا الا والمضافة ثارت مثل عش الدبابير، ولحق الكل بنا الا الفرسان الذين بقوا حفاة ، ونحن نركض ونمزق صرامي الحكومة بأسناننا الأشبه بأسنان الفئران ، وما ان خلّصَ الكبار الذين يقدّرون زعل الدولة الصرامي من بين أسناننا ، حتى كانت ممزقة ، وبالكاد امهر كندرجي لا يستطيع إعادتها إلى الخدمة مرة أخرى ......!!!!!!
    ولم تمر الحادثة مرور الكرام ، بل قام أهلونا بضربنا وشبحنا قرب السناسل حيث يقضون الحاجة ، لنؤنس الجعل والجعران وهو يقوم بعمله في تنظيف المنطقة .....
    أما كبير الفرسان فقد استصدر قرارات منها :
    تغريم القرية صرامي الدولة فردة فردة..
    ومنع الفرسان من خلع الجزم الحكومية في أي مأمورية ، حتى لو دخل الجامع..
    وإن كان ولا بد يربط الفردتين بخيط قنّب ويعلقهما برقبته...
    وهكذا نشأ جيلنا على حب التحدي والتصدي ، وكانت ثورة الصرامي تلك أول معاقلنا...
    (تقرأ بلهجة الزمن الخرافي الذي أفرز تلك الثورة المشهودة)
    كتبت لأول مرة ونشر سنة في مجلة الأهرام الجديدة – رام الله في 15/12/ 1998م
    مهداة : الى البطل العراقي منتظر الزيدي


    e,vm hgwvhld


  2. #2
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Wed Jun 2008
    الدولة
    صانعة رجال البواسل رجال الهيه المملكة الهاشمية
    المشاركات
    169,808
    ومنع الفرسان من خلع الجزم الحكومية في أي مأمورية ، حتى لو دخل الجامع..
    وإن كان ولا بد يربط الفردتين بخيط قنّب ويعلقهما برقبته...
    مشكور اخي
    جهد مميز
    تقديري

  3. #3
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Sun Dec 2008
    الدولة
    الامارات
    العمر
    33
    المشاركات
    1,496
    يسلمو اخي ع الطرح

    ننتظر جديدك بكل شوق

    دمت بود ...اختك وردة

  4. #4
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Sat May 2007
    الدولة
    أم الدنيا وارض الكنانه
    العمر
    34
    المشاركات
    141,562
    يعطيك العافيه

    على كل جديد

    كل الامانى الطيبه

    مودتى

  5. #5
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Fri Apr 2009
    الدولة
    عمان
    العمر
    35
    المشاركات
    202
    نحن قوم اعزنا الله بالاسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره اذلنا الله

    اخوي صالح كل الكلام الي ورد في القصة او الموضوع هو صحيح 100% وعاينوه ناس كثير من اجدادنا بس ايش الي استفدناه من العنجهيه والتسلط الي عاشوه العرب في تلك الايام ولا شيء طبعا هزيمة تلو هزيمة تلو هزيمة وراح الشرطي ابو البسطار وراحت ايامه

    وجاء جيل ثورة الصرامي على قولتك لينتصر لهذه الامة ويحقق لها انتصارات ما كانت تتوقعها 0

    شكرا عالموضوع الجميل بانتظار جديدك

  6. #6
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Fri Dec 2008
    العمر
    25
    المشاركات
    5,208
    يسلمووووو موضووووع مميز
    طرح راااائع

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
معجبوا منتدي احباب الاردن على الفايسبوك