محنة الإمام تيمية ابتلاء العلماء


محنة الإمام ابن تيمية:


كان شيخ الإسلام ومفتي الأنام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى، أحد من ناشته المحنة بنابها، وآذته بشدتها، وأصابته بأوارها كغيره من صالحي هذه الأمة، ولقد تحدث مؤرخوه عما جرى له من المحن، وما عرض له من البلايا والفتن، وصفوا ذلك، ولم يخل من ذكر كتاب من كتب مترجميه، وعند حديثنا عن الابتلاء والمحن كان لا بد لنا من وصف ما لحق بهذا العالم الرباني من المحن، وما ألم به من الشدائد والبلايا والفتن، وعند النظر في كلام مترجميه، فإنه يمكن لنا أن نصف محنة هذا الرجل الرباني من خلال النقاط التالية:


1- سبب المحنة:

يمكن للدارس لسيرة هذا العالم الجليل، والناظر في أخبار الفتنة التي ألمت به، أن يصل إلى تحديد للأسباب التي أدت إلى إيقاع البلاء به، وحلول المحنة بداره، وعند النظر والتتبع فإننا نجد أن ثمة أسباب قد أدت إلى وقوع تلك المحن به، وهذه الأسباب المؤدية الى وقوع هذا البلاء بهذا العالم الرباني هي ما يلي:


1- الخلاف المذهبي:


كان للخلاف المذهبي دور في حدوث محنة الإمام ابن تيمية، وحصول الأذى له، فحمل ذلك مخالفيه على ترصد أخطائه ومفرداته العلمية، فكبروا هذه المسائل عليه، وأوغروا عليه صدور العامة والخاصة، قصد إبعادهم عنه، وحرمانهم من الاطلاع على علمه، فأدى إلى وقوع الأذى بهذا العالم الجليل من غير ذنب اقترفه، ولا جريرة ارتكبها.


2- الحسد:

كما كان الحسد دافعا إلى مخاصمة ابن تيمية من قبل معاصريه، فحملهم هذا على الكيد له، وإيقاع الأذى به بشتى الطرق، ومختلف الوسائل، ذلك لأن البعض من أهل العلم لم تطاوعه نفسه أن يكرم الله من يشاء من عباده بالفتح عليه، فأخذ يكيد لابن تيمية، ويصنع له الأذى بشتى أصنافه، وما دافعه في هذا إلا الحسد الذي أعمى بعض القلوب فمنعها من إنصاف غيرها.


3- حدة مزاج ابن تيمية:

كان لحدة ابن تيمية رحمه الله تعالى دور في كثرة خصومة العلماء له، وابتعاد بعضهم عنه.
وفي الحديث عن هذه الحدة؛ يقول الأستاذ الندوي: إن السبب الطبيعي لمعارضته لدى كثير من المعاصرين خصيصة كانت في نفس شيخ الإسلام تلك التي توجد عند كثير من أهل الفضل الذين يتميزون بذكاء غير عادي وسعة النظر وكثرة المعلومات وأعني بها حدة الطبيعة، التي تبعثهم في بعض الأحيان على تناول بعض معاصريهم بالنقد اللاذع، وإظهار جهلهم، وقلة علمهم، وتخرج من أفواههم من شدة التأثر كلمات تجرح شعور أهل العلم من معاصريهم والمعجبين بهم تثبط همم تلاميذهم.


4- انفراده ببعض الآراء والاجتهادات العلمية:

انفرد ابن تيمية رحمه الله تعالى ببعض المسائل العلمية، والترجيحات التي تخالف المذاهب الأربعة المشهورة، فلم يحتمل معاصروه منه هذا التفرد فحاكوا له المكائد وعملوا على إيغار الصدور عليه وإيقاع الأذى به.
وفي الحديث عن هذا السبب يقول الأستاذ الندوي: وسبب آخر لمعارضته هو بعض تحقيقاته وترجيحاته التي يتفرد بها، وينشق فيها عن جماعة الأئمة الأربعة والمذاهب المشهورة في بعض الأحيان، إن هذه التفردات لا تبعث وحشة واستنكاراً في نفوس من لهم اطلاع واسع على تاريخ الفقه والخلافيات وأقواله الأئمة والمجتهدين ومسائلهم أنهم يعرفون جيدا أن تفردات الأئمة المشهورين المقبولين ومسائلهم الغريبة اذا جمعت تتضاءل امامها هذه التفردات، وتبدو لهم كل شيء، ويتضعضع اعتقادهم بالتفرد الذي يعتبرونه مضاداً للقبول ومنافيا للحق، ويشترطون لعظمته وولايته أن يكون له رأي أو تحقيق يعارضان الآراء والتحقيقات المشهورة، أما الذين لا يملكون نظرة واسعة حول الخلافيات أو أنهم لا يسمحون بالتفرد والشذوذ للمتقدمين لكنهم لا يرون في ذلك مندوحة للمعاصرين مهما بلغوا من التفوق والكمال شأواً بعيداً، فقد أصبح لهم هذا التفرد أيضاً مبعثاً للمخالفة وفساد العقيدة والضلال، ودليلاً على خرق الإجماع.


5- مخالفته للاتجاه الأشعري السائد:

عرف شيخ الإسلام ابن تيمية بالانتصار لمذهب السلف، ومخالفته مذهب المتكلمين الأشاعرة، وقد أدى هذا إلى إيغار الصدور عليه، ومحاربة العلماء له، ووقوع البلاء به.


6- مخالفته للمتصوفة ومنهم ابن عربي:

كان للتصوف وأقطابه أثرهم في حياة الناس في عصر ابن تيمية وما سبقه، وكان لا يقبل من احد كائناً من كان أن ينقد التصوف وأهله، فلما ظهر ابن تيمية في الساحة العلمية والثقافية في عصره، نقد التصوف وأقطابه ومنهم محي الدين بن عربي، فأدى هذا إلى إيغار الصدور عليه، وإيقاع الأذى به.