الأسرة.. نزعة التعصب الأبناء

د. فيصل غرايبه - إن الدور الرئيسي الذي احتفظت به الاسرة، وامتازت به عن غيرها من النظم الاجتماعية والمؤسسات الاجتماعية الأخرى، هو دورها في عمليات التنشئة الاجتماعية، وظلت من خلال خصائصها التي انفردت بها من أنسب هذه النظم والمؤسسات في المجتمع، لكي تبدأ فيها ومنها عملية التنشئة الاجتماعية. فالأسرة التي تنشئ ابناء معتدلين في سلوكهم وقناعاتهم، تقدم أنموذجاً إيجابياً وفعالاً ومنتجاً في ذلك المجتمع، أما الأسرة التي تنشئ ابناء متطرفين أو متعصبين فانها تقدم أنموذجاً آخر يؤثر سلبا في التفاعل الاجتماعي مع الآخرين، ومما ينعكس على المجتمع بمجموعه، كل ذلك لأن لأفراد الأسرة الواحدة ثقافة خاصة بها، وثقافة المجتمع هو الناتج الكلي لمجموع تلك الثقافات وتفاعلها واندماجها ببعضها .

اختلاف المجتمعات في مدى اكتساب القيم
لا يخفى على القارىء أنه يحصل اختلاف بين المجتمعات الإنسانية ، في مدى اكتساب قيم ما بعينها، أو إهمال قيم أخرى، أو التشدد في تعليم أبنائها قيماً لا بد من اكتسابها، فعند هيمنة هذه القيم في أسرة ما، تعكس حينئذ طبيعة القيم الاجتماعية، والمعتقدات السائدة، والثقافة التي تمنح الأفراد مكونات شخصياتهم مستقبلاً، فالأسرة في مجتمع ما قد تغرس في نفوس الأطفال منذ سن الثالثة من العمر اتجاهات محددة عن الناس من الأجناس المختلفة، ويغرس البعض منهم التعصب في الصغار عمداً، وهذه الاتجاهات تثبت بسهولة نتيجة الخبرات اليومية، وخاصة عندما يتحدث الآباء عن جماعات أخرى أو شعوب أخرى داخل أسرهم، فيكون التعلم بالملاحظة، ومن المحتمل أن يتم تعلم التعصب عملياً من توجيهات المعلمين والآباء وجماعات الأقران.

الأسرة.. القاعدة الرئيسية
للتنشئة الاجتماعية

لهذا نجد إن تنشئة الطفل وتربيته على الاعتزاز بالهوية الوطنية والشعور بالانتماء الحضاري والإنساني مع التشبع بثقافة التآخي والتسامح واحترام وحب الآخرين والانفتاح على المجتمعات الأخرى ونبذ التعصب بجميع أشكاله الدينية والمذهبية والطائفية والعرقية هي نتاج الأسرة القاعدة الرئيسية للتنشئة الاجتماعية، وهي مسؤولية الحاضنة الأولى للطفل أي الأسرة. ولتحقيق هذا الهدف يتوقع أو يتوخى من الأسرة-أية أسرة- أن تركز على تكوين شخصية استقلالية معتزة بنفسها وصادقة وواثقة ومتواضعة وبعيدة عن التعصب بجميع أشكال، في ذات كل ابن من أبنائها.وحتى ينشأ الطفل-أي طفل في أي أسرة- على الاستقلالية ويعتاد الاعتماد على النفس في تصرفاته، ويتجنب التعصب، باعتياد الانفتاح على الآخرين والتعامل معهم بمحبة وود وتسامح،يجب على يتوقع أو يتوخى من الأسرة-أية أسرة- ومن الآباء والأمهات فيها بالذات،أن يهتموا بهذا الطفل اهتماماً بالغا منذ الصغر، بدون افراط (تدليل) ولا تفريط(اهمال)، فيحاولوا أن ينموا مقومات الشخصية عند طفلهم بالقدوة الحسنة. يجب عليهم أن يسلكوا معه بصورة يعتقد الطفل معها أنه ذو شخصية مستقلة وأنه عضو حقيقي في الأسرة منذ نعومة أظفاره.، وفي نفس الوقت يتلقى التوجيه من أمه وأبيه ويستفيد من تجربتهما في الحياة وفي التعامل مع الأخرين على نحو سليم وباريحية عالية.

أما الأطفال الذين يشاهدون سلوكا عدوانيا متكررا بشكل واسع، فانهم يقومون بخزن مثل هذا النمط من السلوك، ومن ثم استعادته وتنفيذه ،وذلك حالما تظهر المؤثرات الملائمة لإظهار هذه الاستجابات السلوكية العدوانية. وما ينطبق على العدوان ينطبق تماما على التعصب

سبر أغوار النفس الإنسانية نشأة وتكويناً
لهذا فإننا نلمس أن مناقشة موضوع التعصب بكل أشكاله، إنما هو سبر أغوار النفس الإنسانية بنشأتها وتكوينها، وهي محاولة لا يألوا الإنسان فيها جهداً لمصارعة ذاته بذاته، فإما أن ينتصر عليها ويخضعها لسلطان العقل، أو أن تفلت من عقال العقل، وتنحدر نحو الحيوانية بعد أن خلقها الله بأحسن تقويم. ويقول الرسول الأكرم صلى الله عليه و سلم: ما عبد الله بمثل العقل وما تم عقل امرئ حتى يكون فيه عشر خصال، وأما العاشرة لا يرى أحدا إلا وقال هو خير مني، فإذا التقى الذي هو خير منه وأنقى تواضع له، وإذا التقى الذي هو شرّ منه وأدنى، قال عسى أن يكون خيرا هذا باطناً وشره ظاهراً فإذا فعل علا مجده وساد أهل زمانه.

نحو فهم أعمق لنزعة التعصب
اهتمت الدراسات النفسية الاجتماعية وما زالت، ويرجع اليها ويستأنس برأيها ونتائجها في فهم ظاهرة التعصب، وخاصة عندما يستفحل الأمر ويتجلى التعصب في المجتمع كظاهرة وممارسة. وقد أوضحت تلك الدراسات صلتها المباشرة والدقيقة بحياة الإنسان والمجتمع، وآثاره المتوقعة، فإذا ما فشلت الجهود في البناء والتربية والتنشئة الاجتماعية الأولى، فالأسرة تعرّف بأنها عزوة كما قال ابن منظور: أُسرةُ الرجل: عشيرتُه ورهطُه الأدنَوْن لأنه يتقوى بهم، والأسرةُ عشيرةُ الرجل وأهلُ بيته. وقد جاء في كتاب الله –عز وجل- ذكرُ الأزواج والبنين والحفدة، بمعنى الأسرة، قوله تعالى (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ) سورة النحل: 72.، أما التعصب فهو اتجاه نفسي لدى الفرد يجعله يدرك فرداً معيناً أو جماعة معينة أو موضوعاً معينا إدراكاً إيجابياً أو سلبياً كارهاً دون أن يكون لذلك ما يبرره من المنطق أو الشواهد التجريبية

التحديق في ذاتنا الداخلية
أن النفس الإنسانية تكره بطبيعتها الكشف عما يدور في ثناياها وما تخبئه، حتى قيل أن التحديق في ذواتنا الداخلية أمر محبط، ومواجهتها بصدق وإخلاص من أصعب الأشياء وأعقدها، وذلك بسبب ما تحمله من نزعات تنطوي على الكثير من الأخطاء ومن الخوف من مواجهتها بتلك الحقائق، فإذا اختار الفرد نمط السلوك التعصبي في التعامل مع فرد ما بعينه أو مجموعة ما بعينها، فهو يعد اضطراباً في معيار الصحة النفسية أو العقلية، وهو صراع داخلي يحدث للفرد وينم عن اختلال التوازن، ولذلك المعروف لدى الجميع وخاصة المشتغلين في علوم النفس، أن الفرد المتعصب هو بحكم المريض عقلياً ونفسياً، لما يتميز به من جمود وتصلب في الرأي..

التعصب ظاهرة
اجتماعية بواعثها نفسية

لذا فإن التعصب ظاهرة اجتماعية لها بواعثها النفسية، وهي تنشأ أولاً وقبل كل شيء من بواعث نفسية لا علاقة لها في الأصل بالعقيدة الدينية. وإن اتجاهات التعصب تفسر على النحو التالي: إن العدوان طاقة انفعالية لا بد لها من منفس، ويتخذ لذلك موضوعاً معيناً تفرغ فيه الشحنة الزائدة، وإذا لم يتمكن العدوان من أن يصل إلى مصدر، فإنه يلتمس مصدراً آخر يصبح كبش الفداء، ومثال على ذلك الموظف الذي يوجه له رئيسه التوبيخ والإهانة، ثم لا يستطيع أن يرد على رئيسه، فإنه عندما يعود لمنزله يصب غضبه على زوجته وأبنائه، ويحتمل أن يتحول العدوان لدى الإنسان من موضوع إلى موضوع آخر، أو يستبدل هدفاً بهدف لغرض التفريغ والتخلص من الشحنات المكبوتة، وإذا ما منع هذا التحول أو الاستبدال، ارتدّ نحو الذات، وبذلك تفتك النفس بنفسها. هذا مما يمكن القول معه أن التعصب يؤدي وظيفة نفسية خاصة تتلخص في التنفيس عما في النفس من كراهية وعدوان مكبوت، وذلك عن طريق عملية نقل ذلك العدوان واستبداله بموضوع آخر دفاعاً عن الذات. فالمتعصب إذن يجني من موقفه كسباً، غير أن هذا الكسب لا يختلف عما يجنيه المريض نفسياً من سلوكه الشاذ، أي أنه كسب وهمي ناقص.