نزهة البلد أُمنا عمان الجمعة


عدسة: محمد القرالة

أبواب - وليد سليمان

مع مشارف بداية فصل الربيع ؛ الجو المعتدل والمشمس أغلب الأيام.
..هناك نزهات لطيفة يمكن للعائلة أن تقوم بها سيراً على الأقدام وسط البلد في عمان.

نرقب ونشاهد « عمان الربيع» الجميلة من الجبال والبيوت والآثار والأماكن السياحية والتراثية والترفيهية وتناول المأكولات والحلويات الشهية في مركز مدينة عمان «البلد».
وبرفقة أفراد الأسرة والأحفاد الصغار ذهبنا قبل أيام ظهراً منطلقين أولاً من جبل القلعة، قلعة عمان الاثرية الشهيرة.. وحالما اعتلينا جبل القلعة شعر الأطفال معنا وحتى الكبار بنشوة الانطلاق النفسي اللذيذ.. حيث مساحة شاسعة من السماء الزرقاء تعلو رؤوسنا.. وكذلك الهواء المنعش اللطيف الذي يداعب الأنفاس والضحكات المرحة الصادرة من قلوبنا.
ياه ما أجمل تلك المشاهد البانورامية الرائعة والمدهشة لجبال عمان تلك التي نراها على البُعد من أمامنا وخلفنا.. فهذه بيوت وشوارع وأشجار جبل اللويبدة وجبل عمان، إذ نرى وبكل دهشة فنون العمارة الشرقية الخلابة في تفاصيلها وهيكلها الخارجي.. فهذا من بعيد قصر منكو ومتحف بيت شقير وقصر البلبيسي وعمارة برية الاردن الزجاجية المذهلة في تصميمها، وكذلك مستشفى لوزميلا وحدائق وأشجار وبيوت دارة الفنون، وغيرها الكثير، تلك التي كانت قديماً في معظمها مكانا لسكن المشاهير من رجالات الدولة الاردنية والقادة ومشاهير تجار المدينة.
وإذا ما أزحت النظر قليلاً لسوف تشاهد عن بعد وعمق جبل الاشرفية أعلى جبال عمان قديماً حيث يتربع بكل شموخ مسجد جامع أبي درويش الشهير بحجارته الملونة بالأبيض والأسود، وربما تشاهد كذلك بعض الأجزاء من مستشفى الطلياني، ومن فوقه المستشفى الإنجليزي (دار الأمومة والطفولة الآن) وحي الأرمن ووادي سرور، ومن جانبه جبل الجوفة العريق في قدمه الذي يربض من تحته المدرج الروماني الاثري التاريخي او كما كان يسميه البعض قديماً (درج فرعون).
هذا ويلتصق جبل الجوفة مع جبل التاج وكأنهما جبل سكني واحد، وفيهما كانت وما زالت ذكريات حلوة وجميلة للذين سكنوا في هذين الجبلين او ما زالوا يسكنون مثل قصر الدوق ممدوح البشارات بأشجاره الحرجية الباسقة، وبيت الشِّعر فوق المدرج الروماني الذي سكنه قديماً الأمير نايف بن عبدالله، كذلك بيت أو قصر القائد العسكري أحمد صدقي، والعديد من الفنانين والأدباء سكنوا هذا الحي او جبل الجوفة والذي كان يسمى قديماً بجبل الجزائر، وكذلك برج عمان!!.
وخلال التجوال ما بين آثار جبل القلعة كانت الاعشاب الخضراء والطويلة مع بعض الزهور البرية من اللون الابيض والاصفر تجعل بعض اطفالنا يحاولون قطفها معتقدين بان لها رائحة ما.. ولكنها مجرد زينة نباتية ربانية جميلة تغطي معظم المناطق الترابية ما بين اثار القلعة المتعددة من ساحة أعمدة هرقل الى البئر الى الكنيسة الى القصر الأموي إلى سراديب الغرف الهوائية اللطيفة والمتحف الفخم في جبل القلعة، ثم الوقوف على بعض حواف أسوار القلعة للنظر بدهشة إلى مناطق جبل الحسين، وجبل القصور كذلك.
وإكمالاً للنزهة التي كانت بطريقة السير على الأقدام نزلنا من جبل القلعة الاثري الى شوارع فرعية تقود الى سفوح جبل القلعة المواجهة للمدرج الروماني حيث عدة ادراج عريضة تنزل الى شارع الهاشمي فاخترنا اجمل تلك الادراج حيث الرسومات والالوان المبهجة التي تزين الدرج وواجهاته او واجهات البيوت المحاذية له..نزلنا الدرج الجديد والمرمم منذ فترة سنوات الى الشارع حيث كانت الساحة الهاشمية بمنظرنا السحري والمدرج الروماني ينادي النازلين لزيارتهما في الحال.
وقبل اجتياز الشارع نحو الساحة الهاشمية لفت نظرنا بعض تلك المحلات التجارية التي تعرض التحف والانتيكا الشرقية النادرة، وكذلك محلات عرض وبيع الطيور والحيوانات الأليفة النادرة في جمالها وشكلها حيث تجولنا بداخلها واشترى بعضنا بعض تلك السلع أو الكائنات الحية الصغيرة المفرحة.. لكن قبل ذلك كانت الدعوة لتناول بعض ساندويشات الشاورما على الواقف.
وعند وصولنا للساحة الامامية الضخمة الحديثة التي تقع ما بين شارع الهاشمي والمدرج الروماني.. ركض الاطفال بفرح ومرح في تلك المساحات الجميلة الشاسعة حيث الهواء النقي والفراغ الذي يقوي حاسة البصر.
دخلنا جميعا الى حرم المدرج الروماني حيث المدرجات شبه الدائرية العالية التي صعدنا عليها، لكن قبل ذلك دخلنا المتحفين اللذين يقعان على يمين ويسار المدرج حيث هما يعرضان العديد من التراث الشعبي الاردني من الحلي والاثواب والادوات والفسيفساء...الخ.
تجولنا فترة جيدة من الوقت داخل المدرج الروماني وشاهدنا عظمة هذا الجبل جبل قلعة عمان الاثري قلعة عمون التي كنا نقف عليها قبل نحو ساعة تقريباً.. وكانت من بعيد تبدو بعض ملامح سواح اجانب يقفون عند حافة جبل القلعة التي تطل جهة المدرج الروماني.
وحدثنا نحن الكبار عن ذكريات هذا المكان وما كان يحيط به قديماً.. فقال بعضنا مثلا:
هناك بالقرب كان جسر العسبلي العثماني الذي أقيم فوق سيل عمان، وكان يقع في نفس مكان مكتبة امانة عمان، وهنا كان ديوان الامير عبدالله الاول ابن الحسين مؤسس الاردن، ومن جانبه كانت تقع مدرسة شهيرة اسمها المدرسة العسبلية وبالقرب منها كذلك فندق فيلادلفيا الشهير بفخامته وضيوفه العرب والاجانب، كذلك كانت تقع ابعد قليلا دار رئاسة الوزراء ايام بدء الامارة بجانب المدرج الروماني، وأبعد قليلا كان يبدو جسر رغدان ومركز اطفائية عمان، ومقبرة اسلامية، وبساتين وشركة الكهرباء ومكتب رئاسة وكالة الغوث، وبيت اشهر قابلة قانونية السيدة انيسة شقير، ثم القصر الابيض الذي أُعيد ترميمه هذه الايام، ثم أبعد قليلا يبدأ مدخل قصر رغدان العامر والقصور الملكية التي لا تبعد كثيرا عن هذا المكان، والذي كان ايضا موقفا لسيارات الاجرة وسفريات الزرقاء والرصيفة مثلا.
وعندما تركنا هذا الموقع نحو وسط مدينة عمان تركنا شارع الهاشمي خلفنا واقتربنا من سبيل الحوريات الاثري الجميل، شارع سقف السيل الذي كان السيل قديما مكشوفا وعليه قنطرة (جسر روماني) حجري بشكل قوسي، واقتربنا من سوق الخضار والذي كان اول سوق خضار قديما في عمان ثم سوق السكر للسلع التجارية الاخرى.
واصبحنا في مواجهة ساحة المسجد الحسيني الكبير اشهر مسجد قديم في مدينة عمان وما زال والذي تم بناؤه حوالي عام 1925، وكان هذا البناء اول من تم استخدام مادة الاسمنت فيه في عمان العاصمة الصغيرة آنذاك لامارة شرقي الاردن.
ودخلنا بشكل سريع لتعريف الصغار باقدم سوق في عمان وهو سوق البخارية، ثم سوق اليمنية لملابس البالة ثم ملاحظة المحلات القديمة جدا في شارع الملك طلال تلك التي تخصص لبيع الكوفيات والعباءات وملابس واقمشة البدو والفلاحين من الرجال والنساء.
ثم رجعنا للدخول عبر شارع السعادة نحو شارع او ساحة فيصل.. وعندما سأل احدهم من مرافقينا ولماذا سمي بشارع السعادة؟ قلنا لان هذا الشارع كان قديما اشبه بالسوق وكان يتخصص بمحلات بيع الملابس والاقمشة النسائية وللعرائس كذلك، لذا فقد كان منظره مبهجا للنفس ويدعو الى السعادة والسرور.. وفيه كانت اقدم وارقى الفنادق مثل فندق العربي وفندق الملك غازي ومقهى الجامعة العربية وجميعها اختفت الان ولم يبق منها سوى المباني وذكريات الايام الخوالي.
وعند وصولنا الى شارع فيصل قلنا: هنا مركز المركز لمدينة عمان القديمة حيث كانت هذه الساحة العريضة اي الشارع مكانا للاستعراضات والاحتفالات الوطنية والشعبية حيث كانت تقام المنصات والخطابات وكان يزور هذه الساحة قديما في تلك المناسبات الامير والملك فيما بعد عبدالله الاول والملك الحسين بن طلال رحمها الله رحمة واسعة.
وكانت اشهر المحلات الحديثة في هذا الشارع مثل محلات الحايك للالبسة الاوروبية الجاهزة، ومقهى حمدان اشهر مقهى في كل عمان، ومركز البريد والشرطة، واشهر البنوك واقدمها مثل البنك العثماني، ثم البنك العربي، وكازيات المحروقات للسيارات القليلة قديما، ومحامص القهوة مثل الفيومي والبدوي والمدني، واشهر محلات الاحذية باتا وغيرها وكذلك الصيدليات مثل صيدلية الصباغ والعربية الكبرى وسوق منكو للملابس النسائية، وسوق الذهب وبائع الفستق ابو احمد والكتب حسن ابو علي والمطاعم مثل دار السرور والسلام ومطعم حبيبة للكنافة النابلسية، ثم اخيرا جلسنا معا في اشهر مطعم للفول والحمص وهو مطعم هاشم ابو الشباب، حيث تناولنا في مدخل المطعم المطل على الشارع وجبة شعبية لذيذة، كانت الجلسة رائعة تذكرنا بايام الشباب حيث كنا طلابا في الثانوية نخرج ليلا الى مطعم هاشم لاكل الحمص والفول والمسبحة مع التصليحة التي اختفت، والتصليحة كانت قديما هي اضافة قليل من الفول والحمص في الصحن الفارغ الذي التهمه الشباب وقد بقي لديهم قليل من الخبز يريدون غماسا له، وكانت تلك التصليحة مجانية.
شرب الاطفال ونحن معهم اخيرا كؤوس عصير الرمان من محل في دخلة مقابلة هي دخلة مطعم فؤاد الشهير بسندويشات الفلافل مع السلطة بالطحينة، وهكذا رجعنا الى البيت ليلا والفرحة بادية في نفوس ووجوه الجميع، ففي عمان حقا ما يمكن زيارته والتجوال فيه بكل متعة وسرور وقضاء وقت جميل لم يكن يخطر على البال.
الجمعة 2015-04-03