احباب الاردن التعليمي

النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: الموت يُغيّب سحبان خليفات صاحب كتاب منهج التحليل اللغوي في الفكر العربي الإسلامي

  1. #1
    الاداره
    تاريخ التسجيل
    Tue May 2009
    الدولة
    الرايه الهاشميه حفظها الله
    المشاركات
    212,599
    معدل تقييم المستوى
    21475063

    الموت يُغيّب سحبان خليفات صاحب كتاب منهج التحليل اللغوي في الفكر العربي الإسلامي

    حاوره- إبراهيم السواعير - غيّب الموت أستاذ الفلسفة المفكّر د. سحبان خليفات، بعد حياةٍ حافلة بالعطاء الأكاديمي والبحثي، والقراءة الجادّة الناقدة، في اشتغاله المتكامل على الدين والفكر والعلم في مؤلفاتٍ كثيرة، قرأت التاريخ بتأنٍّ ومتابعة، منها (منهج التحليل اللغوي- المنطقي في الفكر العربي الإسلامي: النظرية والتطبيق).
    ترك خليفات بحوثاً كثيرةً لم تُطبع، وله من المؤلفات: مقالات يحيى بن عدي الفلسفية، رسائل أبي الحسن العامري وشذراته الفلسفية، الديمقراطية في الأردن: سياقها الدولي وشروطها الموضوعية، ابن هندو، سيرته، آراؤه الفلسفية.
    تالياً أسئلة من حوار طويل، أجرته (الرأي) مع خليفات، في مقارعته المرض:
    • كيف نحاور (الآخر)؟!.. على عموم هذا السؤال وتكراره!
    أولاً يجب ألا نتحاور مع (الآخر) من منطلق أنه أعلى أو أننا أدنى.. الشعور بالدونية يجب أن يوضع له حد.. فإذا كانت هناك دونية بيننا وبين الغرب في عالم الاقتصاد أو السياسة، فليس بيننا وبينه دونية في عالم الثقافة؛ فنحن أعرق ثقافة منه.. أنا أعلم أنهم اكتشفوا الذرة، ولكني أريد أن أقول إن المهم – واسأل في هذا أيّ عالم شئت- هو المنهج وليس المعلومات، فجميع المناهج التي عرفتها البشرية هي اختراع عربي، فالمنهج الرياضي من اختراع علماء العرب والمسلمين ومنهج التحليل اللغوي المنطقي من اختراع علماء أصول الفقه. إذا كان العرب قد أبدعوا كل هذه المناهج فنحن لنا أصالة.. ولا يجوز أن نقف موقفاً دونياً من هذا السبق.
    الأمر الثاني.. لا يجوز أن نقف موقف المهاجم بلا مبرر أو دليل؛ بمعنى أنه لا يجوز أن أعرض قضيتي إلا بدليل.. لأنه إذا كنت أنت غربياً وكنتُ عربياً أو مسيحياً، أو كنتُ أنا يهودياً أو مسلماً فلا مشترك بيننا إلا العقل، والعقل يعني البرهان..
    الأمر الثالث: حين نتحاور مع (الآخر)؛ فإنّ لدي ثوابتي التي لا أتنازل عنها أبداً، وأنا قد أقبل بعض التغيرات في الأشياء الشكلية، أما أن تطلب مني تغيير صورة الحياة، كما يقول فانشتين، أي أن أغير صورة حياتي إكراما لك؟ فلا!!.. لأنني لن أعود أنا. بل سأكون أنت.. سأكون مسخاً.. فلا تنازل إذاً عن الثوابت، ولكن علينا أن نعرف هذه الثوابت ونعرضها ونعرف كيف ندافع عنها.
    الأمر الرابع: يجب ألا نخدع بالعبارات الجميلة التي يبثها المستشرقون وتلاميذهم هنا أو هناك، تحت ستار المنهجية العلمية، والدراسات الحديثة؛ نحن ننظر إلى الأمر ككل، ونفحص الدعوى كاملة، بالنص والبرهان، ولا يغرنا شيء. ما ثبت أخذناه.. فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها.. وليس عندنا حرج، بل نأخذ الحكمة من أي جهة، لكننا نتحرج من أخذ أي شيء يتبين أن بداخله أفعى أو حصان طروادة..
    • هل نقصر كل الانجازات على تراثنا، فنرد كل جميل إليه؟!..أو نجمّل فيه؟!
    آخر ما بحثته في التراث العربي الاسلامي كان في كتابي «منهج التحليل اللغوي – المنطقي في الفكر العربي الإسلامي» : (النظرية والتطبيق)؛ وتناولت فيه نظرية «التحليل اللغوي» التي ظهرت في كامبردج وأكسفورد على أيدي فيتجنشتين وأوستن، وقد وجدت أن عدد النظريات التي أفرزها علماء اللغة والفلاسفة العرب خمسة أو ستة أضعاف ما أنتجه الغرب، والحق أنني وجدت أن التطبيقات التي قاموا بها تملأ مئات الآلاف من الصفحات، وبدقة أكبر مما كتب الغربيون؛ فهل نقول: إكراما للغرب (هذا التراث لا يساوي شيئاً بل إن ما كتبه فتجنشتاين هو الأفضل؟!) هذا كلام إنسان لا يحترم الحقيقة.. ولذلك أقول: هذا ما صنعه العرب، وهذا ما صنعه الغرب، والدليل أنني كتبت عن الغرب كتاباً لم يكتب في العربية حتى اليوم نظير له، وقد صدر عن وزارة الثقافة بعنوان «المدرسة اللغوية في الاخلاق» وعالجت فيه نظريات جورج مور، وآير، وستيفنسون، وسواهم، وأعطيتهم حقهم في عرض تحليلاتهم، وأتبعت ذلك بالنقد الموضوعي.
    إنني أؤمن بالقضية التالية: يجب أن يُحقق تراثنا، لا أقول الرديء منه، بل الجيد، حتى تعرفه الاجيال. ثمّ إننا لا نستطيع الاكتفاء بتراثنا الماضي، مهما بلغ من العظمة، بل يجب أن ننقل من الغرب أفضل ما لديه ليكون غذاء «نكسّر» شكله، ثم نتمثله ليصبح جزءاً من هذا البناء.
    هكذا فعل أجدادنا، ولذلك تجدني قد ترجمت عدداً من مقالات فلسفة التحليل اللغوي في الفكر الغربي، وكتبت عن أكبر فلاسفة التحليل اللغوي، وأشرفت على رسائل في هذا الموضوع.
    أنا لم أغيب الآخر.. لم أقصه.. لم أعتم عليه.. بل أسعى لأن أحصل منه على أفضل ما لديه لأتغذى به، أنا أعطي تراث أمتي حقه فأقول: هنا سبق وأبدع، وهنا سُرق وهنا أخطأ.
    ولذلك فإن العمل الجديد الذي أعمل فيه منذ تسع سنين يهدف الى دراسة الدين والفكر والعلم في الأمة منذ 14 ألف عام قبل الميلاد إلى اليوم، وفيه أعطي فيه كل ذي حق حقه.
    إننا أيضاً يجب أن نحس أننا أمة ذات حضارة عظيمة، ولا يجوز أن يقال لها إن تاريخك بدأ بقريش.. أمة لها تاريخ عظيم.. لو كان هناك متسع من الوقت لأثبت لك أن آيات في القرآن تعود غضة، كما لو أنزلت اللحظة، حين تفطن الى كتابتها الهيروغليفية.. لوكان هنالك متسع.
    • هذا الفكر الواحد، لدينا، ربما تشغله ثنائياته عما هو أوسع، وقد كنّا شهدنا موجةً، كأنها مبرمجة، لمذهبيات وحجج يدخل فيها النص بطلاً في مساحات منحازة من التأويل؟!
    بخصوص التراث الغربي، أقول إننا لا نرفض هذا التراث ولا نقبله، بمعنى لا نقبله على علاته، ولا نرفضه بدون نظر فيه، بل ننظر فيه بكل عمق، ونأخذ ما صح وما نحتاج، وندع ما كان خاطئاً، وما لا نحتاج، لأن لنا شخصيتنا الثقافية التي لن نتنازل عنها مهما كان الثمن.
    والآن، كيف ينظر ذاك الآخر إلينا؟!..لقد نظر إلينا ونحن في قمة الحضارة، فسرقنا، لا أقول إنه سرق ثروات الأرض وما فوقها، بل سرق الدين واللغة والثقافة، والآن انظر إلى معاركه معنا كيف تدار؟!.. إنه يدير معاركه معنا على النحو: (فرّق تسد)، ثمّ إنه يحاول أن يتخذ من الهجوم خير وسيلة للدفاع!.. سأشرح نقطتين، ولا أريد أن أدخل القارئ في متاهات التحليل الأخرى: سُئل ابن العميد في يوم وقد كتب جملة، بعد أن سمع من أحدهم كلاماً لم يرق له فقال: (رمتني بدائها وانسلّت وألقت ما فيها وتخلت).. فضمّن شيئاً من القرآن الكريم. بالإضافة الى هذا.. والله لقد قرأت قرابة مليوني صفحة للبحث الاخير الذي أعمل فيه، وفيه جزءٌ غير قليل قرأت به افتراءات المستشرقين على الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، وعلى القرآن الكريم، وعلى الفقه، وعلى الإسلام، من جوانبه كافة، فما وجدت تهمة رمونا بها إلا وكانت فيهم؛ فرمتني بدائها وانسلت، وألقت ما فيها وتخلت.
    أذكر أنني حين نشرت كتاب الفيلسوف العربي (أبو الفرج بن هندو)، أعني كتاب «الروحانية من الحكم اليونانية»، وجدته يأتي بقصة مختلفة، يريد بها أن يقول شيئاً على لسان أرسطو وتلميذه الاسكندر، فحين أراد الإسكندر فتح العالم ذهب الى أستاذه أرسطو، وطلب منه أن يرافقه لأنه سيفتح العالم، فأجابه قائلاً: لقد أصبحت مسناً، ولا طاقة لي على الترحال، فقال له: إذاً، فانصحني، قال: أنصحك نصيحتين، إن عملت بهما ملكت الدنيا، قال: فهات الأولى، قال: فرّق تسد!.. الناس يظنون أن هذه سياسة انجليزية، في حين أنها كلمة لأرسطو، قال الاسكندر والثانية!.. قال: لا تقبل شفيعاً إلى عملك إلا الكفاءة والأمانة، وأنا أريد أن أقول إن هذا ليس قول ارسطو، وإنما هو قول ابن هندو لأنه جاء في القرآن الكريم (إن خير من استأجرت القوي الامين) وهذه مسألة،.. ثم أطرق الاسكندر فترة، ورفع رأسه وقال للمعلم أرسطو: يا معلم، بم أعلم أن دولتي آلت إلى الزوال؟! قال: إذا تولى أمورها الصبيان ومن لا حنكة لهم.
    اليوم!.. يمارس الغرب معنا هذه اللعبة، (فرق تسد): فمرة يأتي الى هذا البلد ليحرك شماله على جنوبه، وعربه على بربره، ومسيحييه على مسلميه، ومسلميه على مسيحييه، وأكراده على عربه وتُركه، وهكذا.
    فبهذه التفرقة يسود، فننشغل في ما بيننا، ونقتتل وهو جالس يتفرج، ثم هو يسعى لأن يدس بيننا من لا يكون القوي الأمين، وهذه قصة يعرفها السياسيون في أكثر من دولة، هنا وهناك.
    هم يحاولون أن يطرحوا مؤامرات ظاهرها الجنة وباطنها النار، ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، كما يقول القرآن،.. أقول لك، في حوار الاديان: لا يكون هناك حوار أديان إلا وتكون هنالك محاولة لفرض تصور ديني على المسلمين.
    أذكر أنه جاءني الإيطاليون وقالوا نريد أن نترجم كتابك (رسائل يحيى بن عدي)- ويحيى بن عدي في نظرهم قديس، قلت لهم: لكم ذلك، ومن غير مقابل، فأرسل الفاتيكان إليّ كتابين على شكل هدية، هذان الكتابان هما مجرد طعون في الإسلام؛ والكتابان موجودان لديّ، وأنا على استعداد لأن أقدمهما لمن يُشكك في هذا. هذا التعامل أسميه بكل صراحة تعاملاً غير أخلاقي.
    لذلك، إذا كنا نتعامل لنستفيد ونفيد فهذا جيد، وإذا تعاملوا معنا على سبيل الفتنة والتقسيم والتفريق الذي يؤدي إلى العذاب، فعلينا أن نتمتع بالوعي، ونحبط مثل هذه الاتجاهات، ولا سبيل إلى إحباطها إلا بأمرين: صفاء النوايا، وإجراء حوار صريح لا مجاملة فيه، لكننا في أغلب حواراتنا إما أن نشتم أو نجامل، وكلا الأمرين من الخطأ، بل هو الخطأ.
    أما قضايا النص، هذا الذي بدأ يُساء استعماله في العصر الحديث- ونحن لاننسى قصة د. حامد أبو زيد... فإنّ علينا أن نعلم أنّ هنالك نصاً نزل في وقت معين، وكان لمفردات اللغة، وتراكيبها فيه معنى معين. وهذا المقصود من النص الذي نزل على أهله؛ لأنه لا يمكن أن يكون النص قد نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة ليقول لهم معنى سيظهر سنة (25000)، والا سيكون نصاً غير مفهوم.
    الأمر الثاني: هنالك تأويل، وبعض المفكرين يقول: التأويل هو التفسير وبعض آخر منهم يقول: لا، التأويل هو محاولة استخراج ما وراء النص، ونحن لدينا عدد من العلماء بحث في هذه المسألة على نحو أفضل بكثير مما بحثه الغرب في الهيرمونيطيقيا. أعني أنك حين تنظر للسيوطي والزركشي وابن قيم الجوزيّة والقرافي وابن تيمية تحس أنك امام تحفة من المبدعين والعقول الجبارة المنصفة.
    هذا هو الأمر المهم (مُنصفة) ولذلك فإن لتأويل النص حدوداً، لأنك تجتهد في ضوء سبب نزول الآية، ومفرداتها، ومعانيها وسياقها، وقد تكون هناك روايات صحابية أو فقه معين من حولها، ولكن لا يعلم تأويله إلا الله، وهذا ورد في القرآن، لذلك يجب ان نكون على حذر فلا نفتي برأينا. ولا نؤول بالرأي خارج حدود ما يسمح به النص، وهذه مسألة جداً مهمة.
    لكني ألاحظ واقعة خطيرة وهي تضييق مفهوم التأويل والتفسير لأنه ليس لدى القائمين بالتفسير في وقتنا الثقافة اللغوية اللازمة!.. ماذا أعني بهذا؟!. أنهم لا يتقنون العربية؟! ابداً.. هم والله يتقنون العربية خيراً من سيبويه..
    لكن، انظر في معجم «لسان العرب»، وخذ، مثلاً كلمة «فردوس» يقول لك المعجم، انها «أعجمية» فماذا تظن؟!.. إنها فارسية!!،..الحقيقة أن وصف كل كلمة أعجمية إنما يعني شيئاً واحداً فقط وهو أننا لا نعرف معناها، فنقول أعجمية في المعاجم، فاستغلها قوم فقالوا: إن لغة العرب من عندنا ... من فارس، خذ كلمة «فردوس» أخذ الغرب منها كلمة (براديس)، فهي كلمة عربية، وجُل لغة العجم (الفرس) عربي من الصميم. ولعل هذه الأعجمية المدّعاة وجهل المفسرين بحقيقتها، أي اللغة الأصلية للكلمة «الأعجمية» هو جزء مما أعنيه بعدم إتقانهم للثقافة اللغوية اللازمة.
    لا أريد الإفاضة، فقط أذكر مثالاً بسيطاً: أننا نقول في نهاية الفاتحة: آمين.. وفي المسيحية يقولون آمن، وهي مشتقة من آمون، الإله آمون، آمون لفظه الصحيح آمن، وآمن في المصرية القديمة معناها الواحد الخفي، ونحن نقول: الله واحد: «قل هو الله احد» ونقول: «لا تدركه الابصار» وقس على ذلك.
    ولو أن علماء التفسير اليوم يتقنون المصرية القديمة، ويتقنون الأكدية، والحميرية والفينيقية،.. لعاد القرآن، واللهِِ، غضاً كما أُنزل على الرسول من قبل.
    لكنهم كلما صادفوا كلمة قالوا أعجمية، فضاع المعنى، أو فسروها تفسيراً شكلياً لا يلمس شغاف العقل والقلب، أو يقنع أحداً في هذا العصر، وثمة من يقول لدى شرح سورة قصيرة، تساوي ثلث القرآن، (قل هو الله احد)، أي الصمدية، إن كلمة (قل) زائدة و يجب أن تقول (الله احد) ولكن، لو أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (هو الله احد) لكذبوه، وقالوا ما أدراك؟ هل رأيته؟ فيقول: ما رأيتهّ، فيقولون: هذه دعوى بدون دليل، ولكن حين نقرأ (قل) فمعناها أن القائل ليس هو الرسول صلى الله عليه وسلم بل القائل هو صاحب الشأن، فلم تعد العهدة في الصدق على الراوي بل على صاحب الشأن.
    • ما حال الفلسفة الإسلاميّة؟!.. وتجاوز حدود النص حاجةً موضوعية؛ بل الاشتغال عليه أمرٌ واجب لتستمر الحياة.. متى نقف ومتى نسير؟!
    تعاني الفلسفة الإسلامية في عصرنا من مشكلات كثيرة: أولاً أن هنالك عشرين مليون مخطوط في التراث العربي الإسلامي، الفلسفي، والعلمي والأدبي. بعضه يستحق التحقيق والنشر، وبعضه الآخر لا يستحق، ولكن لم تَقُمْ حتى الآن أية محاولة منا لعملية الفرز، حتى نبدأ بتحقيق ما هو جدير أن ينشر.
    ثم إن معرفتنا بتراثنا ناقصة أيضاً. لقد نُشِرَ بعض النصوص المهمة من دون تحقيق وترتب على النشر إساءة للمفكر أو الكاتب بلا حدود، سأعطيك مثالاً واحداً، هو ما كتبه أبو العلاء المعري في ديوانه «لزوم ما لا يلزم»،.. لقد قاموا بتحريف بعض الكلمات فخرج أبو العلاء كافراً زنديقاً من الطراز الأول، فإذا ما عدت إلى النسخ الخطية واعتذارات المعري في رسائله لأصدقائه، وعثرت على الكلمة الأصلية وجدته رجلاً في قمة الإيمان!.. فعدم نشر التراث يجعل معرفتنا به ناقصة، كذلك فإن عدم تحقيق النص المنشور تحقيقاً نقدياً يجعل معرفتنا به مشوهة.
    زد على ذلك تفاوت حظ الباحثين في الفلسفة الإسلامية من الجدية والإحاطة. فبعضهم ليس مؤهلاً للبحث، وبعضهم الآخر مؤهل، لكنه يعمل من طرف يده، وهذا لا يخدم تراثنا. التراث يجب أن يخدم تحقيقاً، ويجب أن يخدم دراسة تقرأ مصادر هذا الفكر في العالم العربي الإسلامي وآثاره، أو خارج العالم العربي الإسلامي. سأعطي مثالاً من إحدى رسائل يحيى بن عدي في الرد على أحد الأشاعرة في نظرية الكسب. يأتي ابن عدي بكلمات خمس أو ست على ما ذكر، مثل «خلق» و»فعل»، وكسب، وهكذا. والأشعري يحاول أن يشعرنا بوجود فرق بين «فعل» و»كسب» و»خلق» وأن «الخلق» لله.. فيأتي يحيى بن عدي ليحلل الكلمة تحليلاً لغوياً مستشهداً بالنصوص التي تثبت أن المعنى هو كذا، لنكتشف في النهاية أن جميع الكلمات تحمل المعنى نفسه، وأن التمييز المدعى بينهما لإقامة نظرية الكسب لا أساس له من الصحة.
    هذه الرسالة، وهي في بضع صفحات، تبناها واحدٌ من أكبر العقول في الإسلام، أعني القاضي عبد الجبار المعتزلي، صاحب كتاب «المغني في أبواب التوحيد والعدل» (22 مجلداً).. هذا هو القاضي عبد الجبار المعتزلي!.. رجل كان يفضل أن يشتري زيتاً للمصباح على أن يشتري دواءً لجربه، رجل كان كثير المشاغل. قاضي قضاة لم يترك وراءه إلا 900 ألف صفحة! هذه نماذج عزّ نظيرها اليوم؛ لأن الجدية والشعور بعظم الأمة تلاشى من النفس! حين تحس أنك ابن أمَّة عظيمة فإنك تعمل، وتواصل الليل بالنهار، وأنت تعمل.
    نظرة إلى جابر بن حيان، في القرون الأولى من الهجرة، يخرج من باب منزله في الكوفة إلى المسجد، فيسأله بعض الفضوليين: ماذا تفعل يا جابر في بيتك؟!.. لقد قال كلمة لو قالها أحد اليوم لفرقوا بيه وبين زوجته، وأجبروه على ذلك، وعدّوه زنديقاً، فماذا قال جابر؟! قال: أحاول صناعة إنسان على المقاييس الإلهية! هذه الأمة الواثقة من نفسها، ومن دينها، لا تخاف، لقد انطلقت وأعطت.
    ولكن حين جفت غضارة العقل من ساق الحضارة وفروعها تدهور حالنا، ودمرت الثقافة. استعمرنا الإنجليز فأسمعونا قصصاً يضحكون بها علينا، وكأننا هنود حمر أو زنوج، قالوا لنا إن إسحاق نيوتن جلس ليشرب الشاي الساعة الخامسة، كالعادة الإنجليزية، فتأخرت زوجته قليلاً بالشاي، فسقطت تفاحة فاكتشف قوانين الجاذبية الثلاثة!! لندقق، فنجد أنه سرق هذه القوانين حرفياً وبالترتيب.. ترتيب القوانين والكلمات من كتب ابن سينا وابن الخازن وأبي البركات البغدادي، وأخذ من أبي البركات البغدادي أيضاً الصيغة الرياضية للتسارع في السقوط، ثم يُقال لنا: (حين شرب الشاي!!!).
    ثم يأتون إلى اسكوتلندي اسمه جيمس واط، وضع إبريق الشاي على النار الساعة الخامسة (لاحظوا كل السرقات تقع الساعة الخامسة!!) فجاءت صاحبته، فأخذهما الحديث فدفع البخار الغطاء إلى الخارج، فانتبه، فاكتشف قوة البخار وقد سرق الفكرة من مخطوط إسلامي.
    لنلاحظ فيما يتعلق بالنص أنه حين كان يحيى بن عدي يتناول النظرية (أن الإنسان مسخر أم مخير) فإنه كان يفصّل هكذا بلا حرج، ويستدل بالآيات القرآنية واللغة العربية، فيأخذ عنه أحد كبار المعتزلة، ويدافع عن الإسلام.. أين ترى هذا إلا في الأمم العظيمة؟!
    النص له حدوده! إنها اللغة و»اللغيات» التي صدر عنها، فإلى جانب اللغة العربية المستعملة اليوم هناك ما يسمونه اللغات العروبية، وهي: الأكدية، والحميرية، والمصرية القديمة والفينيقية.. إلخ، وكل وافد أو أصل انصبّ في اللغة العربية، فإذا لم نعرف هذه الأصول فإننا بحاجة إلى معرفتها، وبحاجة ملحّة حين يكون في القرآن الكريم (1520) كلمة مصرية قديمة، فمعنى هذا أنني بحاجة إلى معرفة المصرية القديمة، فإذا ما عرفنا هذه «اللغيات» التي دخلت في العريبة صار بإمكاننا فهم النص فهماً أفضل، ونحن أيضاً بحاجة إلى معرفة «اللغيات» التي أشرنا إليها كالأكدية والبابلية والحميرية.
    • لماذا ينكفىء عالم الشريعة وعالم الفلسفة إزاء هذه التأويلات، ثم إنّ هنالك نوعاً من الفلسفة بتنا نقرأه في الصحف والملاحق الثقافية، يكتبه الأديب الفيلسوف، وهناك قول يفيد بأنّ (الفلسفة إذا تقحمها الأديب فسدت!)..ماذا ترى؟!
    على وجه العموم، دارس الشريعة مشغول بالتقيد بالنص، وفي الوقت نفسه فإنه بعيد إلى حد كبير عن علوم العصر، ولغاته، وأدواته في التحليل. وبالمقابل فإن دارس الفلسفة محيط باللغات والعلوم الأخرى، جاهل بتراث أمته؛ فصار التراث بين قادرٍ على التقييم والإنعاش؛ لكنه لا يقرأ التراث ولا يعرفه، وعارفٍ بالتراث، ولا يملك أدوات العصر.. وهذه كارثة!.. لذلك تجد في تركيا تجربة ناجحة وهي أنهم دمجوا كليات الفلسفة بالشريعة، وهو دمج معناه أن عالم الشريعة قد انحلت عقدته، وصار يعرف لغات وثقافات، وعلوماً أخرى فانتهت المشكلة. وأنا شخصياً جلست مع أساتذة منهم، فوجدت اختلافاً بيننا وبينهم في هذا المجال.
    نأتي الآن إلى الأدب، فأقول إن الأصل أن يكون الأدب عرضاً مبسطاً للفلسفة، يبسطها، ويحببها إلى الناس. هذا مثلاً ما قام به أبو حيان التوحيدي في بغداد وجان بول سارتر في الغرب وهو فيلسوف عمل سلسلة مسرحيات، وكتابات أدبية، وبغض النظر عن دوافعه فقد عرض الفلسفة بصورة أدبية.
    ولكن مع أن عملية التبسيط ضرورية ومطلوبة، إلا أن الفلسفة لها مصطلحاتها شأنها شأن أي علم، والأديب قد لا يكون متمرساً بهذه المصطلحات واعياً بأبعادها، فتراه يستعمل الكلمة في غير موضعها الصحيح، فينشأ عن ذلك تشويه للفلسفات أو إقامة تقارب زائف بين الفلسفات أو مباعدة بين حركات فلسفية قد تكون واحدة.. لذلك يجب أن تكون هناك مراجعة فلسفية للنص الأدبي الفلسفي، أعني: إذا أراد أديب أن يكتب في الفلسفة بطريقة أدبية، فيستحسن أن يستعين بأحد دارسي الفلسفة لمراجعة النص، وأنا لا أريد أن أشير إلى حكاية أحدهم الذي ما إن تقرأ أحد الهوامش في كتبه حتى تكتشف أنه لم يع أو يدرك من الماركسية ومصطلح البنى الفوقية والتحتية إلا ما يعيه من كلمات الطابق الأول والثاني.
    فإذا ما انتقلنا من الإنتاج الفلسفي إلى التعليم الفلسفي، فإنني أقول وبكل صراحة إنّ إعدادنا للطلبة ما يزال ضعيفاً، بل تدهور إلى درجة مرعبة في السنوات الأخيرة.
    في الجامعة أصبح التعليم الجامعي سيئاً ومتدهوراً على وجه العموم إلا من رحم ربي، حين نرى أن كثيراً من الأساتذة عاجزاً عن الكلام بالفصحى فهذه كارثة،.. أن تحس أن طلبة كلية الآداب عاجزون عن الكتابة بالإملاء الصحيح فهذه أكبر من كارثة، حين تحس أن أساتذة وطلاباً يتكلمون كلاماً لا أساس له من الصحة في العلم فهذه مصيبة، لذلك أعتقد أنه يجب ومن أعلى المصادر في الأردن، أن تُشكل لجنة من غير الذين تولوا رئاسة الجامعات، وهذا أمر سبق وأن تم في الثمانينات من القرن الماضي، وقد راجعنا في مؤتمر التطوير التربوي الجامعي أشياء كثيرة، ووجدنا أنه لا بد من إجراء تعديلات، وقد اكتشفنا أن أساتذة يدرسون المادة ذاتها في البكالوريوس وفي الماجستير، وأقول اليوم إنهم يدرسون الكلام نفسه في الدكتوراه، فهل يجوز هذا؟!.. إذن يجب أن يعاد التفكير جدياً بإدارة الجامعات، وفي مناصب العمداء، ورؤساء الأقسام والمناهج، وأن تكون هناك جدية حقيقية لأن التعليم هو رأس مال الأردن الوفير، فإذا انهار رأس المال هذا فإني والله أقول الحق، والحق أقول، ستكون كارثة اقتصادية وسياسية اجتماعية من الطراز الأول.
    • لماذا لا نرى سجالات بين أصحاب الرؤى الفلسفية المتنوعة، وأنت تعلم أن روح الفلسفة واحدة؟ والحديث يدور اليوم في الملاحق الثقافية عن أن هذا فيلسوف إسلامي وذاك ماركسي، والآخر كذا، وهكذا، والسؤال أيضاً، لماذا لا نعود إلى سجالات لطيفة يغنى بها البحث، ويرقى بها الحراك إلى ما هو حضاري.. بدلاً من أن يشهد لصاحب الرؤية ذاتها صاحبُ الرؤية ذاتها أيضاً؟!
    أحد علماء النفس الفرنسيين يقول إن الكلام والتفكير عند الطفل يمر بمرحلتين: الأولى يتكلم فيها الطفل مع نفسه أي يردد الكلام كمونولوج والثانية يتكلم فيها مع الآخر أي (ديالوج)! وحين تأتي بمحاضر من الشرق أو الغرب إسلامياً كان أم قومياً أم مستقلاً أم عالماً أم جاهلاً فيتكلم بطريقة (المونولوج)، فإن عليك أن تسمع، وفي النهاية، إذا طرحت أسئلة ما، فإنه يلتف من حولها، ولا يخرج أحد وقد استفاد شيئاً، سوى أن هذا الرجل يؤمن بأمور معينة!
    ولنتحول من المونولوجي إلى الديالوج، والأصل في اللغة كما يقول هايدجر، الكشف عن الحقيقة والحوار مع الآخر، فإنه يجب أن يكون كلامي موجهاً لك، وكلامك موجهاً لي، بمعنى أننا ندير حواراً فماذا يفترض الحوار؟!.. بسهولة أن تطرح دعواك بالأدلة، لا أن تطلقها وكأنك إله، لا يناقشك أحد! بعض ممن يتسمّون «مفكرين» و»فلاسفة» في العالم العربي يطلق دعاوية بدون دليل، وعليك أن تُصدق ذلك، فأين (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)، ثم عليك ألا تصدقني إن لم آتِ بدليل، بل إن عملية تقديم الدليل لا تكفي، إذ تبدأ بعدها مرحلة تسمى (نقد الدليل)، لأن الدليل المقدم قد لا يكون حقيقياً أو يكون معيباً ناقصاً لا يكفي لإثبات القضية.
    ليس من الصعب ان تصنع الف صديق فى سنة
    لكن من الصعب ان تصنع صديقا لألف سنة
    يكفيني فخرا انني ابن الرايه الهاشميه

  2. #2
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Wed Oct 2008
    الدولة
    jordan land
    العمر
    33
    المشاركات
    21,612
    معدل تقييم المستوى
    21474873
    [align=center][tabletext="width:70%;"][cell="filter:;"][align=center] الف شكر على نقل الخبر
    تحياتي [/align]
    [/cell][/tabletext][/align]

  3. #3
    الاداره
    تاريخ التسجيل
    Tue May 2009
    الدولة
    الرايه الهاشميه حفظها الله
    المشاركات
    212,599
    معدل تقييم المستوى
    21475063
    [IMG]http://*********/upfiles/gif_files/IhL43025.gif[/IMG]
    ليس من الصعب ان تصنع الف صديق فى سنة
    لكن من الصعب ان تصنع صديقا لألف سنة
    يكفيني فخرا انني ابن الرايه الهاشميه

المواضيع المتشابهه

  1. عرض مئة الف دولار كتعويض عن كل شهيد تركي على "اسطول الحرية"
    بواسطة الاسطورة في المنتدى منتدى الاخبار العربية والمحلية
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 10-12-2010, 08:00 PM
  2. مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 22-03-2010, 12:35 PM
  3. اسئلة فيزياء وزارة الدورة الشتوية 2009
    بواسطة عاشق المستحيل في المنتدى المطويات - ابحاث - الاذاعة المدرسية
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 22-02-2010, 09:09 PM
  4. بيت شوكولا ...
    بواسطة Maria في المنتدى منتدى , صور , فوتغرافيات
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 26-06-2008, 12:31 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
معجبوا منتدي احباب الاردن على الفايسبوك