النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: الشاعراللبناني بول شاوول

  1. #1
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Fri Sep 2006
    الدولة
    الاردن
    العمر
    29
    المشاركات
    10,526

    الشاعراللبناني بول شاوول

    الشاعراللبناني بول شاوول: أكبر كشجرة.. وأسعل كالوردة..وأغسل وجهي بالأمطار

    الشاعراللبناني شاوول


    حاورته سميرة عوض - مسكون بوجع الأمكنة، مخذول بالتتغيرات التي أصابتها، فأمرضتها، فبات يخشاها : أخاف من الأطلال الاثرية والمتاحف والموميات - أعوذ بالله - لاني بت أخاف أن نتحول كلنا الى موميات، والى حطام أمكنة تزحل من أسمها.. كما تزحل البراكين من جوفها يقول الشاعر والصحافي اللبناني بول شاوؤل.. معتبرا ذاته طللا قادما من أطلال الحروب ،معتبرا أن المتاحف والأثار مجرد ضمانات للتاريخ، معلنا خشيته أن يتحول العالم الى قمامات..

    وعلى الرغم من كل الألوان الخضراء التي ظل يحملها من قريته سن الفيل ، البلدة التي كانت من بساتين وغابات من الصنوبر والكينا تقطعه نهر صغير نهر، بلدة السنونو الغامض أجمل الطيور في بلدته، الا انه مسكون بحزن الأمكنة، أذ اكتشف ان أهل قريته - وهم كثيرون - يشبهون الأشجار المقطوعة.. والأزهار المسحوقة.. أصابها من الدمار ما أصاب لبنان ومن الموت ما أصاب الجميع.. عندما التقاهم بعد غياب 20 عاما احزنني اني لم اتعرف على احد من اطفال البلدة ولا شبابها.. فهم كبروا في غيابي وانا كبرت في غيابهم.. فلا هم تعرفوا اليّ ولا انا تعرفت عليهم.. حتى الذين اعرفهم والتقيتهم كانوا كأنهم اشباح

    ولا يزال يعتبر شاوؤل ان ورق الكتابة هو ما تبقى للشاعر وحريته الاخيرة.. ومخيلته المتفجرة واراؤه ومشاعره.. : فأنا منذ طفولتي لم تقاومني سيجارة ولا ورقة.. خانتني الأمكنة ولكن هذه الورقة البيضاء لم تخني وكذلك السيجارة البيضاء صارت بلوني .

    لون سن الفيل

    يظل للمكان الأول سطوة خاصة في وجدان الشاعر، ماذا عن بئر طفولتك الأولى؟.

    - ولدت في بلدة سن الفيل تنتمي الى الجبل، وهي في الساحل لا تنتمي الى المدينة فهي في الاطراف، وتنتمي اليها، وهي تمشي نحو المدينة. كانت البلدة من بساتين وغابات من الصنوبر والكينا تقطعه نهر صغير نهر الواطي ، لانه فعلا كان منخفضا، وأسموه النهر الصغير، لانه كان اقرب الى الجدول الكبير، وجعلوا له جسرا اسموه الجسر الواطي، لان هذا النهر كان يغدر به أحيانا في الشتاء، ويفيض عليه بكل وقاحة، وقد يذهب في هذا الفيض حيوان أليف كالحمار فيغرق، أو سيارة فتنطفئ، اذن كان النهر على رقته يظهر شراسة الأنهر الكبيرة، فهو نهر متنمر أحيانا، لكنه فأر في معظم الاحوال.
    اللون الأخضر كان لون بلدتي سن الفيل ، حتى الألوان غير الخضراء، مثل: الازهار البرية والورود تصاب بعدوى الخضرة الطاغية، فكأن الخضرة وباء جميل يفترس كحيوان جميل كل الألوان حوله فتصير خضراء، فاذا كان في جوار الأخضر الكثيف -مثلا جنادب برية بيضاء- او ورد جوري احمر، او بنفسج شاحب هنا، وطويل هناك فيعني ان هذه الكائنات الهشة سرعان ما تنضم الى فيالق الخضرة مستسلمة، ولكن هذه المرة ترفع الرايات الخضر، بدلا من أن ترفع الرايات البيض. ولانها كانت غابات كثيفة جدا، كانت ملأى بالطيور والعصافير والفراشات كثيرة بعدد الغبار، بل احيانا تتفجر من شجرة كأنها غبار شمسي يتوزع على ذلك الضيق هنا، والنسيج هناك لتقطع الهواء لاجنحتها قطعا مريبا هنا، وقطعا مترددا هناك، وقطعا مجفلا هنالك.. انه الطيران الذي يصل الشجرة بالشجرة، والهواء بالجناح والارض بالجذور، فكأنه بريد يصيب المكان فيصل، ولا يصيبه احيانا فيقل، الطيور سعاة بريد مجهولة الاقامة، من مصدر والمصدر والهدف، أنهم الطيور كالشعراء الملعونين أمام كثافة الكائنات النباتية التي من فرط حنانها تطرب صدورها ووجوهها وشعورها نهبة لهذه الكائنات والطيور.

    الربيع خيانة الفصول

    ما الذي بقي في ذاكراتك من مفردات بلدتك في الجنوب اللبناني سن الفيل ولا يزال يشكل الصور في مخيلتك؟

    - أنا في صغري كنت هزيلا جدا، نحيفا جدا، أخاف اذا هب هواء ان يلويني، ومن هشاشتي أنني كنت أضعف من هذه الخضرة، فاحيانا أحس أنني أكبر كشجرة، او أسعل كالوردة، أو أغسل وجهي كما تغسل الأمطار أجساد الشجر والنبات والطيور، قلما كنت انفصل عن هذه الكائنات الى درجة اني كنت أنهض من السرير احيانا كما تنهض شجرة صغيرة - طبعا - او وردة، او كما يجنح طائر، او كما تهتز بنفسجة، بل كأن اصابعي ويداي احيانا كانت امتداد لطبائع هذه الطبيعة ولغرائزها الغزيرة، وحتى لغموضها الفتان، فمنذ صغري كان المكان بالنسبة الي أليفا، ولكن غامضا، الشجرة غامضة، كما هي القصيدة اليوم، والغابة غامضة كأنها رواية لديسفوسكي..

    والسنونو غامض لانه كان بلا وجهات كأنه يصطدم بجدران مخفية ، أو يصطدم بالهواء قاطعا خرائط مرسومة بجنونه ونزقه، وبأنانيته وبعدوانيته، السنونو أجمل الطيور في بلدتي، لانه كان يخونها باستمرار كان طائرا وهواء معا، كان طائرا ومسافة معا، كان طائرا وقاسيا معا، ربما كانت اوراق الشجر تخافه او حتى العصافير الصغيرة، ولكن في ذلك المكان هذا السنونو شاعر الربيع يخترع الربيع احيانا قبل ان يأتي، ينتزع الوان الربيع قبل ان تظهر، ويقال سنونوة واحدة لا تصنع ربيع، ولكن كنت احس ان سنونوة واحدة في بلدتي كانت تصنع عدة فصول وعدة امكنة، وعدة اشكال من الحنين لانها وكأنها كانت تأتي من الشتاء والخريف الى الربيع في الوانها غيوم سوداء لم تمطر، وفي طيرانها التماع برق تجمد، وفي حركتها قسوة العاصفة التي توقفت في جنون طيران السنونو، ولهذا عندما كنت أرى السنونو، أحس بحنين الى الشتاء، او الى الخريف، وأحس على اصابعي وفي جسمي وفي رئتي وشعري نسمات الربيع الاولى، وحتى جحوده لأن الربيع خيانة الفصول، يطلع منها ثم يتخذ طريقا الى الصيف، مع هذا كان كل شيء حنونا في بلدتي فالامكنة جديدة ليس عندنا اثار

    - لا بعليك ولا بعدي
    - ولم يكن عندنا قلاع من حروب ماضية، كأن بلدتي كانت بلا تاريخ المكان، بلا تاريخ.. كأن التاريخ يولد من العين اذا افتتحت نافذة، ومن الجدول اذا مشى، ومن الوردة اذا تفتحت، ومن الدجاجة اذا قاقت.. ومن الديك اذا صاح.. ومن الحمام اذا هدل.. ومن غربان الليل اذا نعقت، ومن العتمة اذا سادت، ومن الشمس اذا ارتكبت الخطأ اليومي ذاته وأشرقت.. اذا تاريخ بلدتي هو تاريخ جسمي بدون أقنعة.. بلدتي تاريخ بلا أمجاد.. لم يكن عندها مشاريع فتوح ولا ممالك ولا طموحات.. بلدتي لم تكن دكتاتورية.. كانت من بولوتاريا الطبيعية..

    بل أكثر، كان سكانها قليلين وكان سكان الطبيعة الشجر والغابات كثيرة..
    وكنت أظن أحياناً أن الديمقراطية في الأمكنة، كانت ديمقراطية الشجر والطيور والهواء.

    حملت معي الفصول

    من كل هذا الخيال - الحقيقي- والمدهش ما الذي تحمله معك منها؟

    - حملت كثيرا من الخصب، وكثيراً من الالوان، وكثيراً من الغموض الداخلي، حملت معي الفصول التي كانت تمتزج أحياناً وتفترق أحيانا، حملت مكاناً خاصاً قد لا يشبه الأمكنة الاخرى، حملت طفولتي التي نمت كما تنمو حولها العناصر.. تمت وكأنها من تلقاءها وكأن هي أمي الحقيقية علمتني الركض والبكاء والعزلة والوحدة والخوف والفتنة والحرية.. ان الطبيعة هي اقصى درجات الحرية.

    صاروا أكثر من الأشجار!

    اذن عشت الطفولة كما يجب أن يعيش طفل طفولته، كيف هي علاقتك بالقرية الان، وأظن أنك مسكون بها؟
    - كلما كنت أكبر كانت بلدتي تصغر، وعندما تجاوزت المراهقة كانت نصف غابات تحولت الى أسمنت وأسفلت وطرق ومحلات وعلاقات وتجارة، تراجعت الطبيعة كأنها هي التي كانت تخفي نفسها عما تكتشفه أمامها كانت هي البطل.. وبدأت تصير كومبارس تغيرت العلاقات بين الناس، تغيرت الشجرة كأن عليها ان تنافس الاسمنت او الحديد المرفوع حولها.. أو السيارات العمياء التي كلما كثرت نقصت أشجار بلدتي.. كثر السكان وخسرت البلد الانتخابات الى الابد.. صار السكان اكثر من الاشجار.. طلل أمام طلل..
    أعني فكرة التردد عليها - على القرية- الا تزورها، من باب الوفاء، أو حتى من دفق الحنين؟.
    - انتقلت من بلدتي قبيل حرب 1975، تركتها لأنها لم تعد هي.. صارت شيئاً أخر، مررت منذ عدة أسابيع في بلدتي، وأكتشفت أن كل هذه الاحراش ليست الا بضع شجيرات، كأنها شاهدة زور على الجرائم والمذابح التي أرتكبت بحقها لم يبق من الخضرة الا الاشياء القليلة..
    كأنها قبعات مخلوعة بين البنايات، والارصفة كأنها حضارة انقرضت، حضارة الشجر حضارة الخضرة.. لم تعد بلدتي، حتى انها لم تتسع لدمعة او حنين او شجو لأن الاطلال كانت متينة جداً، شعرت عندما مررت ببلدتي كما شعر امرؤ القيس وشعراء الجاهلية: قفا نبك من ذكرى ومنزل . هذه الاطلال أحسستها بداخلي فأنا أيضاً طلل.. طلل طفولتي ومراهقتي وصباي، انني طلل أمام طلل.. طلل من الحروب، وموت الامكنة وتحول الداهل الى هاوية تترطم بها حجارة السابق بكل ما ارتسب من الوان ونضارة وماء، حتى هذا النهر الشقيق كان من فرط هزال نحوله يشبهني.. حتى هذا النهر تحول الى مكب للنفايات..

    وكأن هذا المكب كبّ فيّ أنا.. في ذلك النهر الصغير الذي ما يزال يترقرق في داخلي.. لم تعد بلدتي.. الناس ينقرضون مع الأمكنة والمشاعر، ويضيعون في خضم العمر والمآسي والخوف.. اكتشفت ان اهل قريتي - وهم كثيرون - يشبهون الأشجار المقطوعة.. والازهار المسحوقة.. والحروب ان بلدتي كانت موقعاً عسكرياً أصابها من الدمار ما أصاب لبنان ومن الموت ما اصاب الجميع.. لكن عندما التقيتهم بعد غياب 20 سنة عنها ورحت اسأل عن فلان أو فلان.. فهو اما قتل في الحرب او توفاه الله او شاخ.. لكن ما احزنني اني لم اتعرف على احد من اطفال البلدة ولا شبابها.. فهم كبروا في غيابي وانا كبرت في غيابهم.. فلا هم تعرفوا اليّ ولا انا تعرفت عليهم.. حتى الذين اعرفهم والتقيتهم كانوا كأنهم اشباح أمامي.. وأنا شبح أمامهم.

    وعندما ماتت بيروت

    وبيروت التي عاصرتها في كل أزمانها واوقاتها ومحنها على مدار زهاء أربعين عاما. ماذا عنها-وماذا عنك معها؟

    - كما قلت لك كانت بلدتي ما بين المدينة والجبل.. كانت قريبة وبعيدة في ذات الوقت.. عن بيروت، عرفت بيروت باكرا، عرفت ساحة البرج التي كانت قلب المدينة.. أتذكر بلاطها.. مقاهيها: أتوماتيك، الجمهورية، القرار، ودور السينما، مسارحفاروق،. محطة التروميه - القطار- كنت أنط كالغزال فيه.. أهرب من المفتش، أنط لانني أتهرب من دفع الاجرة - وقتها 5 قروش - نشأت في البلدة وكبرت في بيروت، ولا أعرف حتى الان الآثار هل هي سلبية أم ايجابية!.. دخلت الى المدينة وأتذكر أمكنتها التي كانت جميلة جدا ولم يبق منها شيء.. الساحل/ البحر عندما يرتفع كأنه يلتصق بالساحل لضيق المساحة- لبنان مساحتها 100كم - واضحة جدا فيها..

    تعرفت فيها على الكتب والمكتبات ودار الكتب، بيروت أيضا كبلدتي دمرتها الحرب كليا.. قبل أن تدمرها الحرب، كانت بيروت مكان خاص، هي تصنع الحرية والحرية تصنعها..
    كانت المكان الذي كنا نتظاهر فيه.. دون أن نصطدم بالشرطة، وهي المكان الذي كان بتنوعه لكل اللبنانيين قبل ان تتقطع الأمكنة بحسب الطوائف والمذاهب، عندما دُمرت بيروت صارت المكان الذي يجتمع فيه الجميع.. صارت الأمكنة أمكنة انفصال قبل ان تصير أمكنة لقاء.. صارت اماكن قتل..

    الانفصال قتل.. الشارع صار تاريخا للحروب والدم والقسوة والعنف والدمار والتفجير، صار المكان شيئا غير أنساني.. بيروت كانت مكان للانسان.. ثم تحولت الى أطلال تشبه من حولها الى أطلال. تأملي عاصمة كاملة تدمر بأزقتها وبشوارعها ومقاهيها ومصارفها وناسها.. تأملي أن شيئا اختفى كله فجأة وتزول المعالم وتتداخل الخرائط الجغرافية في مكان بلا وجه وبلا عيون وبلا أنوف.. ذهبت بيروت طفولتي وشبابي.. ولا أحد يعوضني عنها كأن جزءا مني ذهب.. أرقام الشوارع اسماؤها.. حتى اسماء العمارات والمخافر والصيدليات ومطاعم الفول والفلافل.. كل هذا ذهب الى الأبد.. ذاكرة ماتت، وعندما ماتت بيروت صارت لبنان بلا شرايين وبلا رئة وبلا تاريخ..
    كانت بيروت تاريخ شعب فصارت الامكنة الطائفية.. أمكنة طوائف مفصولة مجزأة.. غربية.. مفتعلة..

    المدن العربية بلا قلب

    زرت الكثير من العواصم العربية، كيف تنظر اليها، وهل علاقتك بامكنتها حميمة؟.
    - هذا يعود الى كثيرة تردادي على هذه المدينة أو تلك، فمثلا عمان زياراتي لها محدودة مقارنة مع زياراتي للقاهرة والدار البيضاء أو تونس العاصمة.. أول ما يهمني بعلاقتي بالعواصم، أن تكون العواصم تشبه أهلها ولا تشبه نظامها.. كانت المدينة العربية في الخمسينات.. الأرصفة تشبه الخطى التي تمشي عليها.. المقاهي.. المسارح.. القوانين.. الحرية..

    مع الزمن بعد هذه الهزائم وتراجع الحريات والديمقراطيات صارت الأمكنة في جزء كبير منها، مجتزأة من تاريخها أو حواس الناس أو من ذاكرتهم..
    فالعمران وحده لا يصنع مدنا ولا أمكنة انه مكان ينضاف الى مكان آخر..
    واتذكر الديوان الأول للشاعر عبد المعطي حجازي مدينة بلا قلب وهو من أجمل دواوينه صارت المدن العربية بلا قلب.. حكمتها قوانين الانظمة لا حريات الناس.ز لهذا كلما كنت دخلت الى مدينة للمرة الاولى.. اتلفت حولي.. أخاف من هذه الامكنة، لانها صارت تشبه العسس أحيانا.. لم تعد المدينة مرآة الناس اطلاقا.. وهكذا انبسطت مدن كثيرة لأن بعض الانظمة الثورية ريفت المدن كعلاقات.. فخربت المدينة وحاولت تمدين القرية فخربت علاقاتها العفوية.. حتى أحيانا أخاف من الطاولة اذا جلست اليها في المقهى.. والرصيف اذا عبرته ومع هذا تبقى المدن العربية اكثر حنانا من المدن الغربية بحسب تجربتي.. وما يصنع حميمة المدن هم الناس.. العرب بطبيعتهم مضيافون.. فعندما تزول عنا ملامح هذا الخوف نشعر وكأننا نعرف اماكنها وناسها.

    القاهرة امراة لا تنام

    - القاهرة أحب فيها منطقة الحسين لانها شعبية.. أحب مقاهيها في اخر الليل وقرقرة النراجيل، حركة الناس.. وأكثر ما أحبه في القاهرة انها امراة لا تنام. القاهرة هي المدينة الوحيدة في العالم التي لا ينام اطفالها ولا ناسها.. ولا أمكنتها كأنها مؤرقة باستمرار تنتظر من يؤنسها.. أحب شوارع القاهرة بضجيجها وفوضاها. والقاهرة من المدن العربية القليلة التي حافظت على ذاكرتها.. الفراعنة بالاثار.. والقلاع والمساجد والكنائس القديمة.. انها مدينة معتقة تمشين كأنك تمشين في التاريخ.. كل شيء فيها ضخم.. الشوارع المحال.. التماثيل.. البنايات..

    الخ، لأنها مدينة ضخمة، وعدد سكانها يزيد عن 20 مليون، أي ما يوازي عدد سكان بلاد الشام.. واي حي منها يضم أحياناً من الناس أكثر مما تضم بيروت كلها. رغم كل شيء احس أن الناس في القاهرة اكثر من الامكنة.. كثر العمران بقدر السكان.. وهذا هو السباق بين الانسان والحجارة.. من يأكل الآخر.. الانسان يسيطر على المكان.. ام المكان يأكل الانسان.. حتى المقابر والسطوح اصبحت مأهولة بالسكان.

    باريس تشبه باريس

    وباريس التي تحبها، كيف هي علاقتك بها، وما وجه الشبه بينها وبين المدن العربية؟

    - باريس.. أولاً مدينة جميلة جداً.. باريس تشبه باريس.. كانت من 30 عاماً تشبه شعراؤها وثورتها وكتابها ومسارحها وحريتها وقسوة تاريخها اذ باريس ظلت تشبه ناسها.. على عكس المدن العربية التي صارت تشبه أنظمتها.. على العكس الحكام والاحزاب والناس وحتى الشعراء والكتاب يحاولون ان يتشبهوا بمدينتهم - باريس - يحفظون سرها، يحافظون على تاريخها.. ممنوع في باريس ان تهدم بناية قديمة.. او معلماً قديماً..

    انهم يتعاملون برفق مع مدينتهم. العرب قساة على أمكنتهم يمكن ان تقطع عدة أشجارعمرها مئة سنة من أجل .. كراج.. أو يهدم معلم عظيم من أجل مجمع تجاري.. باريس لم يكن فيها لا مخابرات في المقاهي.. ولا قمع للعلاقات الاجتماعية، لكنها كانت في السبعينات تحميها الديمقراطية ..

    ولو ناقصة.. المدن العربية عندنا أذبلها القمع.. الناس المقمعون لا يصنعون مكاناً حراً.. الناس المذلون لا يضعون مكاناً مفتوحاً.. الناس المطاردون يحسون أنهم يعيشون في سجن كبير.. بعض المدن العربية كانت سجونا كبيرة. باريس هي الحاضر والماضي.. جمال الأرض .. جمال المسرح..

    انها عاصمة الثقافة والجمال.. أرتاح في باريس لان تمضي الثانية فرنسية.. تذهبين الى مقهى يقال لك هنا كان يجلس سارتر.. او هوغو.. هناك كان يجلس البيركامو.. وعندما تجلسين على طاولة كامو.. تحسين بأن انفاسه عليها.. لم يقطعوا أنفاسه.. ولم يزيلوا مكانه.. جعلوا التاريخ يتنفس عليك .. يطلع عليك كتاب الغريب.. او اسطورة سيزيز .. الخ.. هذه هي باريس تاريخ يتنفس الماضي.. ويعيش المستقبل .. مكان يشبه ناسه.. واخشى على هذا - بكل اسف - الا يدوم.. فالتطورات الاقتصادية العمرانية البشعة التي لا تحترم هذه الامكنة، وقد هالني أن بعض المقاهي التاريخية في باريس تحولت الى مطاعم برغر كما في بيروت.. الأمكنة العربية اليوم مهددة بالحروب.. والأمكنة في اوروبا مهددة بالعولمة.. ولا تقل بشاعة الحروب عن بشاعر العولمة التي تسلع التاريخ والجمال والثقافة والمستقبل وكأنها بضاعة في السوعر.. اخاف ان تتحول مدننا بعد الحروب الى حطام..

    وان تتحول باريس وغيرها.. الى سوبرماركت كبير لا انسان فيها ولا ثقافة اليوم.. انها خيانة الامكنة بامتياز حتى ممن صنعوها. اخشى على باريس ان تحول الى مدينة استلاكية تافهة بشعة بلا قلب وبلا تاريخ، أي تتحول الى جهاز هضمي واسع والى مكب للتاريخ. أمكنة الحاضر في المستقبل. ما الأماكن التي تحب زيارتها، وما هي طبيعتها؟ أثارية؟ طبيعية؟ - مثلا لا أحب الآثار.. لا أحب المتاحف أحبها كمعالم، أحب الهواء، الطبيعة كالناس، الأرصفة، لست من زوار الاماكن الأثرية مثل.. بعلبك.. قلعة صيدا.. قلعة جبييل او بصرى. لماذا؟ لانني قرأت عنها فخالبتني وحاكت ملاءات من الأوهام حول رأسي، شهدت حروب وازدهار وثقافة وشعوب وناس ونساء وأحداث وأمجاد.. ما عدت أحب ان أذهب الى الاطلال.. أي الى الاثار ربما لانني عندما ذهبت اليها بعد الحروب خفت ورأيت ان كل هذه الهالات التاريخية قد ذابت امام عيني.. ربما لانني جئت من مدن تحولت الى اطلال ورمم. بيروت مثلا او الجبل اللبناني، او كما نشهد اليوم في العراق وفلسطين ولان أمكنتنا تحول كل يوم الى أطلال، صرت أخاف أن أذهب لاطلال.. كطلل قادم من أطلال الحروب الى أطلال الأمس، ولا أظنه سيكون لقاء سعيد بين طللين او شبحين او ميتين.. اخاف من الأطلال الاثرية والمتاحف والموميات - أعوذ بالله - لاني بت أخاف أن نحول كلنا الى موميات، والى حطام أمكنة تزحل من أسمها.. كما تزحل البراكين من جوفها..

    كأن كل هذه المتاحف والاثار مجرد ضمانات للتاريخ، زبالة التاريخ التي تحولت الى أثار .. كما أخشى على مدن العالم كلها ان تتحول الى قمامات او الى سموم الارض والفضاء، حتى مدن العالم مهددة كما قلت بان تحول الى قمامات نووية او تاريخية كما كانت في الحرب العالمية الثانية لان الغرب صنع الحضارة الحديثة وضرب الطبيعة والفضاء، رسم الأنهر والبحار والمدن ايضا.. كل مدن العالم ملوثة.. تحمل الاوبئة ولهذا ما سيتفاقم في المستقبل - أضافة لسخونة الارض والفضاء والثلوج ويقال ان القطب الشمالي سيذوب وتغرق نصف أوروبا اننا امام مفترقات أمام امكنة الماضي وأمكنة الحاضر في المستقبل.



    مقاطع من السيرة




    ولد الشاعر والناقد الادبي والمسرحي بول شاوول عام 1944في بلدة سن الفيل في الضاحية الشرقية لمدينة بيروت بلبنان، وتعلم في المدرسة الابتدائية الرسمية في القرية، أكمل علومه الثانوية في مدرسة رسمية، ثم في مدرسة قدموس الليلية الخاصة ببيروت وبعدها التحق بكلية التربية في الجامعة اللبنانية. عمل بول شاوول وهو طالب في ترجمة الافلام السينمائية الغربية، كما عمل مدرسا في معهد الشرق في سن الفيل. وبعد تخرجه من الجامعة عمل في الصحافة الادبية بدءا من النهار العربي والدولي ثم في المستقبل كمسؤول عن القسم الثقافي وفي مجلة الفكر العربي و الفكر العربي المعاصر . كتب بول شاوول للسينما من خلال حوار فيلم بيروت يا بيروت وانتج سيناريو المسلسل التلفزيوني الموسوم الخيانة من اخراج سمير نصري وبطولة نضال الاشقر، كما كتب حوار مسلسل السنوات الضائعة . اما في مجال الاقتباس، فلقد اقتبس مسرحيا مذكرات مجنون للكاتب الروسي العظيم غوغول. هذا وقد ظل الشعر الفرنسي موضع اهتمام بول شاوول حيث نشر سنة 1980 كتابا عنوانه الشعر الفرنسي الحديث . من مؤلفاته الشعرية:. ايها الطاعن في الموت 1974. بوصلة الدم 1977. كتاب الشعر الفرنسي الحديث 1980. وجه لا يسقط ولا يصل 1981. ميتة تذكارية 1984. الهواء الشاغر 1985. موت نرسيس 1990. اوراق الغائب 1992.
    كشهر طويل من العشق - 2001. نفاد الاحوال - 2001. منديل عطيل 2002.
    في القصة القصيرة كتب: عندما كانت الارض صلبة - 2002.
    وكتب في الدراسات والمسرح والترجمة ابحاثا عديدة.



    hgahuvhggfkhkd f,g ah,,g


  2. #2
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Tue Jan 2008
    المشاركات
    6,193

    جهودك رائعه

    كل الشكر والتقدير اخي

  3. #3
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Fri Sep 2006
    الدولة
    الاردن
    العمر
    29
    المشاركات
    10,526
    يسلمو حبوبه على مرورك


    مودتي لك

  4. #4
    عضو
    تاريخ التسجيل
    Tue Oct 2007
    الدولة
    بقلـــب ابي وامي
    المشاركات
    15,848
    مشكور ع اللقاء الحلو ...

    ومع انو ما بعرفو بس ممتعه كلماته ...

    وخصوصي كلامو عن قريتو واهله وناسو كتير مؤثر...

    يسلمووو رفيق...

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
معجبوا منتدي احباب الاردن على الفايسبوك